26 سبتمبر… الثورة التي أسقطت ألف عام ولم تنته معركتها

✍ الوزير أبو حورية

لا تحل ذكرى السادس والعشرين من سبتمبر كمجرد مناسبة نستعيد فيها شريطاً من التاريخ، ثم نطوي صفحته بانتهاء الاحتفالات.

سبتمبر تعود كل عام لتذكر اليمنيين بأن المعركة التي بدأت في 1962 لم تكن معركة على شكل الحكم فقط، وإنما على مستقبل اليمن وهويته وطبيعة الدولة التي ينبغي أن يعيش فيها أبناؤه.

ولعل أبلغ توصيف للثورة هو ما قاله الرئيس الراحل عبدالله السلال: “26 سبتمبر هو اليوم الذي أسقط ألف عام”.

فقد أسقطت الثورة نظاماً إمامياً قام على احتكار الحكم، وأعلنت الجمهورية، وفتحت أمام اليمنيين طريقاً جديداً يقوم على أن الدولة شأن عام، وأن اليمن وطن لا يملك حقه فيه فرد أو سلالة.

لكن هنا تحديداً يجب أن نتوقف.. فقد نجحت الثورة في إسقاط النظام، واتجهت إلى بناء الدولة ومؤسساتها، غير أن مواجهة الفكر الذي قامت الثورة ضده لم تستمر بالقدر نفسه..

انشغل اليمنيون بالدولة الناشئة، بينما ظل الفكر الإمامي حاضراً، يعيد ترتيب أوراقه وينتظر الفرصة.. ومع مرور الوقت، استطاع أن يتسلل إلى المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى عاد اليوم في صورة أكثر صلف، يحمل السلاح ويرفع شعار الولاية ويمارس الإرهاب ويضع نفسه فوق فكرة الجمهورية.

وهذا هو الدرس الذي لا ينبغي أن نتجاهله.. فالثورة لا تسقط نظاماً امامياً كهنوتياً فقط، بل عليها أن تهزم الفكرة التي أنتجته..وإذا سقط النظام وبقيت الفكرة حية، فإنها ستبحث عن طريق آخر للعودة.

وما يمثله الحوثيون اليوم هو عودة صريحة للمشروع الإمامي، ولكن في نسخة أشد تطرفاً، وبإسناد إيراني واضح.

ولذلك فإن المعركة معهم ليست خلافاً سياسياً عابراً، ولا مجرد صراع على السلطة والجغرافيا.. إنها معركة على الجمهورية نفسها، وعلى حق اليمنيين في أن تكون دولتهم ملكاً لهم جميعاً.

ومن هنا، فإن إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة لا يكفيان وحدهما.. المطلوب اجتثاث المشروع الحوثي عسكرياً وسياسياً وفكرياً، وإنهاء قدرته على إعادة إنتاج نفسه، لأن بقاء بنيته وأدواته يعني أن أسباب الصراع ستظل قائمة، وأن خطر عودة المشروع الإمامي سيبقى حاضراً.

لكن المعركة الفكرية لا تعني استهداف الناس بسبب مناطقهم أو أنسابهم، وإنما مواجهة الفكرة التي تمنح السلالة حقاً فوق بقية اليمنيين، وتدعي احتكار الحق في الحكم. فالجمهورية لا تقوم على النسب، ولا تمنح أحداً حقاً خاصاً في السلطة.

وهنا تبرز مسؤولية الحاضر.. فنحن بحاجة إلى استعادة سبتمبر باعتبارها مشروعاً وطنياً مستمراً.. دولة قوية بمؤسساتها، ومواطن متساويه في حقوقه وواجباته، ووعي جمهوري لا يسمح بإعادة إنتاج الإمامة تحت أي اسم أو شعار.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن بناء المؤسسات وحده لا يحمي الجمهورية إذا بقيت الأفكار المناقضة لها تعمل في الظل.. ولهذا فإن معركة اليمنيين اليوم يجب أن تسير في مسارين متلازمين .. استعادة الدولة وإنهاء المشروع الحوثي، وبناء وعي جمهوري قادر على حماية ما بعد النصر.

فالمعركة التي بدأت في السادس والعشرين من سبتمبر لم تنتهِ بعد.. وإذا كان السلال قد قال إن سبتمبر أسقطت ألف عام، فإن مسؤولية جيل اليوم أن يضمن ألا تعود تلك الألفية من نافذة جديدة.

هذه هي روح سبتمبر.. أن يكون اليمن وطناً لا سلالة فيه فوق الدولة، ولا جماعة فوق القانون، ولا فرد فوق الجمهورية..وأن تتحول ذكرى الثورة من احتفال سنوي إلى وعي دائم يحمي اليمن من العودة إلى الوراء.

اترك تعليقًا

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
أنشئ موقعك الإلكتروني مجانًا على WordPress.com.أنشئ موقعك الإلكتروني.
ابدأ مجانًا