القبيلة والدولة في اليمن: هل يصلح ” النكف القبلي” مافسده الحوثي؟

✍مكرم العزب

​رغم تعاطفي الكبير مع قضية “ميرا صدام حسين” (أو ميرا الزبيري كما يحب البعض تسميتها)، وتقديري للموقف الإنساني الشجاع للأخ الشيخ حمد بن فدغم، إلا أنني لم أمنح هذا الموضوع اهتماماً في كتاباتي السابقة؛ لقناعتي بأن في حياتنا اليومية قضايا تمس معيشة المواطنين المباشرة وتستحق تسليط الضوء عليها كأولوية قصوى.
​لكن، مع بروز قضية “النكف القبلي” التي دعا إليها بن فدغم، أصبحت الدعوات للتجمعات القبلية تثير الكثير من التساؤلات والشكوك حول أهدافها وحدودها. قد يتعاطف الكثيرون مع الشيخ بن فدغم جراء ما تردد عن تعرضه للتعذيب في سجون جماعة الحوسي، فالوقوف ضد الظلم والتعذيب موقف إنساني وأخلاقي لا خلاف عليه، لكن هذا التعاطف لا ينبغي أن يحجب حق المجتمع في التساؤل عن طبيعة هذه التحركات ومآلاتها.
​فما زالت “مطارح القبائل” في الجوف وغيرها يحيط بها الكثير من الغموض، خصوصاً مع التساؤلات المشروعة حول كيفية انتقال القبائل بأسلحتها من مناطق خاضعة لسيطرة الحوسيين إلى تلك التجمعات، في وقت يعاني فيه المواطن العادي من قيود مشددة وخانقة على الحركة والتنقل.

​إن التجارب اليمنية المريرة، منذ فجر ثورتي سبتمبر وأكتوبر وحتى اليوم، أثبتت أن القبيلة مهما بلغت قوتها وتأثيرها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدولة. لقد خبر اليمنيون عبر عقود مضت الدور السلبي الذي لعبته بعض القوى القبلية النافذة في إعاقة تحقيق أهداف الثورة؛ إذ نظرت تلك القوى إلى اليمن كـ “فيد” وغنيمة يجب تقاسمها، مما أدى إلى اختزال الثورة والنظام في أفراد ومراكز نفوذ قبلي، وتهميش القوى المدنية الحديثة.

​إن إعادة إنتاج القبيلة وتسليحها بحجة محاربة قوة تقليدية أخرى (كالحوسيين)، لا يحل المشكلة، بل يؤسس لمراحل جديدة من الصراعات والحروب على حساب مستقبل اليمنيين، وعلى حساب التنمية والاستقرار ومأسسة الدولة واستعادة النظام الجمهوري.

​فالدولة وحدها هي الكيان القادر على تحقيق المساواة بين المواطنين، وفرض سيادة القانون، وحماية الحقوق بعيداً عن منطق القوة والعصبية. كما أن مواجهة الحوسيين بمنطق “الثأر” أو “النكف” القبلي قد تحقق مكاسب آنية، لكنها تؤسس لدورات عنف لا تنتهي، وتبعد المعركة الوطنية عن هدفها الحقيقي والوجودي، وهو: استعادة مؤسسات الدولة وترسيخ النظام الجمهوري.

​إن المطلوب اليوم ليس توسيع نفوذ القبيلة ككيان موازٍ، وإنما صهر القبائل تحت راية الدولة لتكون جزءاً من مشروع وطني جامع. فحين تؤمن القبيلة بالدولة وتخضع للقانون، وتكون ولاءاتها للوطن أولاً، فإنها تتحول إلى رافعة للاستقرار وسياج لحماية مكتسبات الشعب، لذلك يجب أن يكون أي تحرك مناهض للمليشيات في أماكن تواجدها  نابعا من إرادة سلطات الدولة وتنفيذا لخططها، وتحت إشرافها وسيطرتها لا العكس..

​ختاماً نقول :  لن ينهض اليمن بثقافة “الفيد” أو بمنطق “النكف”، أو بشعارات الطائفية والمناطقية أو الولاءات الحزبيةالضيقة، وإنما بدولة عادلة تحتكم إلى الدستور، يتساوى فيها الجميع، ويكون السلاح فيها حصرياً بيد الدولة؛ باعتبارها الضامن الوحيد للأمن، والاستقرار، ومستقبل الأجيال القادمة…والدهر فقيه

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ