إزالة العشوائيات في تعز: بين مطرقة التنظيم وسندان لقمة العيش..حملات مؤقتة أم حلول غائبة؟

تعز – تقرير صحفي – مكرم العزب -العربية الاخبارية
بين الحين والآخر، تستيقظ شوارع مدينة تعز على دوي أطقم الحملات الأمنية والجرافات وهي تباشر عملية “تنظيف الشوارع وإزالة العشوائيات”. مشهد يتكرر كشريط سينمائي مُعاد: جرافات تلتهم بسطات خشبية، صراخ باعة يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بضائعهم، وتجمعات لبيع القات تتناثر هنا وهناك.
تبدو الصورة في ظاهرها رغبة حكومية جادة في استعادة وجه المدينة الحضاري وفتح الشوارع المغلقة، لكن الواقع الصادم يتجلى بعد أيام ـ بل أحياناً بعد ساعات ـ من مغادرة الحملة؛ حيث تعود البسطات والعشوائيات إلى مكانها وكأن شيئاً لم يكن، مخلفة وراءها خسائر مادية فادحة للمواطنين الباحثين عن لقمة العيش في ظل ظروف اقتصادية طاحنة.
فما الذي يحدث خلف كواليس هذه الحملات؟ ولماذا تتحول جهود الإزالة إلى “حلقة مفرغة” لا تنتهي؟
الواقع الميداني: عشوائية الإزالة تُنافس عشوائية الشوارع
يجمع العديد من المراقبين والمواطنين في تعز على أن الإشكالية الكبرى لا تكمن في مبدأ “التنظيم” بحد ذاته، بل في آلية التنفيذ التي توصف غالباً بأنها “ارتجالية وغير مدروسة”.
الحملات الأمنية غالباً ما تأتي كردود أفعال مؤقتة أو نتيجة توجيهات مفاجئة، دون أن يرافقها تخطيط مسبق لحماية أموال وممتلكات الباعة الصغار الذين يمثل هذا الرصيف مصدر دخلهم الوحيد. إهلاك البضائع وتدمير البسطات دون سابق إنذار كافٍ يحول العمل التنظيمي المفترض إلى مواجهة “كسر عظم” بين السلطة والمواطن البسيط.
تشريح المشكلة: لماذا تعود العشوائيات سريعاً؟
إذا أردنا الإجابة عن سؤال: “ما سبب فشل ديمومة هذه الحملات؟”، يمكننا تلخيص الأسباب في النقاط الجوهرية التالية:
1. غياب البدائل الحقيقية والمستدامة
السبب الأبرز لعودة الباعة هو عدم توفير “أسواق بديلة” منظمة وجاذبة للمستهلكين. قطع رزق صاحب البسطة دون إعطائه مكاناً بديلًا يدفعه غريزياً للعودة إلى الشارع مجدداً في اليوم التالي، لأن الجوع لا ينتظر خطط البلدية المؤجلة.
2. شبكات المصالح و”الجبايات” الخفية
ليس سراً أن العشوائيات في بعض الشوارع تحولت إلى “دجاجة تبيض ذهباً” لبعض المتنفذين والمشرفين في الأسواق والبلديات. تُفرض على أصحاب البسطات وتجمعات بيع القات “إتاوات وجبايات” يومية أو أسبوعية غير رسمية مقابل غض الطرف عنهم. وعندما تأتي الحملة، يتم امتصاص الصدمة مؤقتاً، ثم يعود الباعة بتنسيق جديد وضمن ذات المنظومة.
3. غياب المتابعة والرقابة المستمرة
تتعامل السلطات المحلية مع ملف العشوائيات بنظام “الحملة الموسومة” (فزعة مؤقتة)؛ تخرج الحملة بقوة السلاح ليوم أو يومين، ثم تنسحب الأجهزة الأمنية والرقابية كلياً دون ترك نقاط مراقبة ثابتة أو تفعيل دور مكاتب الأشغال بصفة مستدامة، مما يخلق فراغاً يسارع الباعة لملئه فوراً.
4. الضغط الاقتصادي المتفاقم
تعيش تعز حصاراً ممتداً وأزمة اقتصادية خانقة، مع انهيار العملة وانعدام فرص العمل في القطاعين العام والخاص. هذا التدهور يدفع آلاف الأسر إلى النزول للرصيف لبيع أي شيء (خضروات، ملابس، قات) للبقاء على قيد الحياة. الشارع هنا ليس مجرد مساحة للمخالفة، بل هو “صمام أمان” اجتماعي ضد المجاعة.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي: خسائر مضاعفة على المواطن البسيط: خسارة رأس المال الصغير (الذي يعتمد غالباً على ديون أو مدخرات شحيحة) نتيجة تدمير البسطة أو مصادرة البضاعة، مما يضاعف من نسب الفقر والإحباط والاحتقان ضد السلطة.
وخسائر على المدينة تتمثل في هدر لجهود الدولة وأموال المحافظة في حملات مكلفة مالياً وأمنياً دون تحقيق أي جدوى مستدامة، مع استمرار الاختناقات المرورية وتشويه المظهر العام…والدهر فقيه
أضف تعليق