سوء الإدارة…القاتل الصامت للدولة ومصنع أزمتها

.

      ✍د/ هاني بن محمد القاسمي

ليـس من المبالغة القول إن كثيرًا من الأزمات التي تعصف بالدول ليست وليدة الفقر في الموارد، ولا نتيجة حتمية للظروف السياسية أو الاقتصادية، وإنما هي في جوهرها ثمرة مباشرة لسوء الإدارة.

فـ حيـن تغيب الكفاءة، ويُستبدل التخطيط بردود الأفعال، وتُقدَّم المصالح الضيقة على المصلحة العامة، تصبح الأزمة نتيجة طبيعية، لا حادثًا استثنائيًا.

إن الإدارة الرشـيدة لا تُقاس بقدرتها على التعامل مع الأزمات بعد وقوعها فحسب، بل بقدرتها على منع أسبابها قبل أن تتحول إلى واقع يرهق الدولة والمجتمع؛ أمـا الإدارة الضعيفة فإنها تؤجل الحلول، وتتجاهل المؤشرات، وتستهين بالتحذيرات، حتى تتراكم المشكلات الصغيرة وتتحول إلى أزمات كبيرة يصعب احتواؤها، وتزداد كلفتها الإنسانية والاقتصادية والسياسية.

وليـس أخطرَ على الأوطان من إدارةٍ تُنكر الواقع، أو تُجمِّل الإخفاق، أو تعتبر النقد خصومةً لا وسيلةً للإصلاح، فالحقـيقة، مهما كانت مؤلمة، تظل أقلَّ كلفةً من الاستمرار في صناعة الوهم.

إن الـدول التي تقدمت لم تفعل ذلك لأنها لم تخطئ، بل لأنها امتلكت الشجاعة للاعتراف بالخطأ وتصحيحه، وجعلت من الكفاءة والمساءلة والشفافية ركائز ثابتة في إدارة الشأن العام.

إن سـوء الإدارة يفتح أبواب الفساد، ويُضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، ويُهدر الموارد، ويُعطل التنمية، ويُغذي الاحتقان الاجتماعي؛ وحين يشعر المواطن بأن معاناته لا تجد من يستمع إليها أو يعمل على معالجتها، تتسع الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وتصبح الأزمات أكثر تعقيدًا، لأنها لم تعد أزمة خدمات أو اقتصاد فحسب، بل أزمة ثقة أيضًا.

وفـي اليمن، كما في كثير من الدول التي تعاني من تحديات مركبة، لا يمكن فصل جانب كبير من المعاناة اليومية عن غياب الإدارة المؤسسية القادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، ومتابعة التنفيذ، ومحاسبة المقصرين.

فـ الإدارة ليست مجرد شغلٍ للمناصب، بل مسؤولية وطنية تتطلب رؤية، وخبرة، ونزاهة، وإحساسًا عميقًا بأن مصالح الناس هي المعيار الحقيقي للنجاح.

إن بـناء الدولة يبدأ من بناء الإدارة، لأن الإدارة الكفؤة تحوِّل الإمكانات المحدودة إلى إنجازات، بينما الإدارة السيئة تبدِّد حتى أعظم الموارد؛ ولـهذا فإن إصـلاح الإدارة العامة ينبغي أن يكون في مقدمة أولويات أي مشروع وطني يسعى إلى استعادة الدولة، وتحقيق الاستقرار، وإطلاق عجلة التنمية.

إن الأوطـان لا تُهزم دائمًا بقوة خصومها، وإنما قد تُستنزف بأخطاء القائمين على إدارتها.

ومـن هـنا؛ فـإن المسؤولية الوطنية تقتضي ترسيخ ثقافة الكفاءة، واحترام القانون، وتعزيز مبدأ المحاسبة، حتى يصبح المنصب تكليفًا لا تشريفًا، وخدمةً للمواطن لا امتيازًا لصاحبه.

فـ القاعـدة التي أثبتها التاريخ مرارًا هي أن الأزمات لا تُولد من فراغ؛ بل تبدأ غالبًا بقرارٍ خاطئ، أو إهمالٍ متكرر، أو إدارةٍ عاجزة عن رؤية المستقبل.

أمـا الإدارة الحكيمة، فهي التي تُطفئ شرارة الأزمة قبل أن تتحول إلى حريقٍ يلتهم حاضر الوطن ومستقبله.

ولـعل خير برهـان على هذه الحقيقة ما نشهده في دولٍ مجاورة استطاعت أن تصنع قصص نجاحٍ لافتة، ليس لأنها امتلكت ظروفًا استثنائية، وإنما لأنها أحسنت اختيار الإدارة الكفؤة والنزيهة، وقدَّمت أصحاب الخبرة والجدارة على أصحاب الولاءات، فكان حسن الإدارة هو الجسر الذي عبرت عليه إلى التنمية والاستقرار والازدهار.

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ