ايران بعد مذكرة التفاهم ..بين معركتها مع الداخل وطبيعة السلوك الخارجي

بعد توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وايران بعد اشهر من الحرب التي فقدت خلالها إيران قيادة الصف الأول وجزء من قيادة الصف الثاني اصبحت ايران اليوم بين اختبارات تجعلها تقف على مختلف طرق..

وتكشف المرحلة الحالية أن التحدي الأكبر أمام النظام الإيراني لم يعد خارجياً فقط، بل أصبح داخلياً بدرجة متزايدة. فالحرب وما أعقبها من مذكرة تفاهم لم تعالج جذور الأزمة الاقتصادية الإيرانية، بل أوقفت مساراً عسكرياً مكلفاً وفتحت الباب أمام مرحلة اختبار جديدة تتعلق بقدرة النظام على احتواء المجتمع وإدارة التوازنات الداخلية.

وتشير المعطيات إلى أن قبول طهران بمذكرة التفاهم لم يكن ناتجاً عن تبدل جوهري في توجهاتها السياسية، بقدر ما جاء نتيجة ضغوط اقتصادية وعسكرية متراكمة. فإيران خرجت من الحرب وهي تواجه أعباء إعادة إعمار واسعة، وخسائر اقتصادية كبيرة، وتراجعاً في الإيرادات، فضلاً عن تضرر أجزاء من بنيتها العسكرية والاستراتيجية. وفي المقابل ارتفعت توقعات المواطنين بأن يؤدي أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأموال المجمدة إلى تحسن مباشر في مستويات المعيشة. لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن الموارد التي قد تحصل عليها إيران خلال المرحلة المقبلة ستواجه منافسة بين أولويتين متعارضتين؛ الأولى إعادة بناء الاقتصاد واحتواء الضغوط الاجتماعية، والثانية إعادة بناء القدرات العسكرية وشبكات النفوذ التي تضررت خلال الحرب.

وهنا يظهر التناقض بين ما يريده الشارع وما تفضله المؤسسات الأمنية والعسكرية. كما أن صعود الحرس الثوري بعد الحرب يمثل مؤشراً مهماً على إعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام.

فالمؤسسة العسكرية خرجت من المواجهة لاعباً أكثر تأثيراً في صناعة القرار، وهو ما قد يدفع نحو توسيع دورها السياسي والاقتصادي خلال المرحلة المقبلة. وفي المقابل لا توجد مؤشرات واضحة على استعداد النظام لفتح المجال أمام إصلاحات سياسية حقيقية أو توسيع هامش الحريات، ما يعني أن أسباب الاحتقان الداخلي التي ظهرت قبل الحرب لا تزال قائمة. ومن زاوية خليجية، فإن ما يهم ليس فقط مستقبل الاستقرار الداخلي الإيراني، بل طبيعة السلوك الخارجي الذي قد ينتج عن هذه الضغوط. فالتجارب السابقة أظهرت أن الأنظمة التي تواجه ضغوطاً داخلية كبيرة قد تلجأ إلى توظيف الملفات الخارجية لتخفيف الضغط الداخلي أو لإعادة توحيد قواعدها السياسية. كما أن استهداف إيران لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن خلال الحرب الأخيرة ترك أثراً عميقاً في البيئة الإقليمية، وأعاد ترسيخ قناعة خليجية بأن مصدر التهديد لا يرتبط فقط بالبرنامج النووي، بل أيضاً بالسياسات الإقليمية والأدوات العسكرية التابعة لطهران.

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ