من الإمامة إلى الحوثية: سلالة الحكم الكهنوتي لا تتغير

✒️ عادل الهرش

ليست المقارنة بين حكم بيت حميد الدين وحكم مليشيا الحوثي مجرد إسقاط تاريخي عابر، بل هي قراءة في بنية سلطة تتكرر بأدوات مختلفة وغاية واحدة: إخضاع المجتمع عبر الفقر، وتكريس الحكم عبر الجوع. فالسلالة الكهنوتية، حين تحكم، لا ترى في الناس شركاء في الوطن، بل رعايا يجب إبقاؤهم في حالة عوز دائم حتى لا يمتلكوا القدرة على الاعتراض أو التغيير.

في عهد الأئمة، كانت الجباية وسيلة إذلال قبل أن تكون مورداً مالياً، واليوم يعيد العدو الحوثي إنتاج ذات النموذج بشكل أكثر شراسة وتنظيماً. لم تعد الجبايات مجرد ضرائب تقليدية، بل تحولت إلى منظومة ابتزاز شاملة تُفرض تحت مسميات دينية ووطنية زائفة، من “الزكاة” إلى “المجهود الحربي”، حتى أصبح التاجر والمواطن محاصراً بين مطرقة الحاجة وسندان الجباية. إنها سياسة إفقار ممنهجة، هدفها تجريد المجتمع من أي قدرة اقتصادية مستقلة.

أما التجويع، فهو الأداة الأكثر قسوة ووضوحاً. وكما ترك الأئمة الناس يواجهون مصيرهم مع الجوع والمرض، تدفع الحوثين اليوم ملايين اليمنيين إلى حافة المجاعة، عبر نهب الرواتب، وتعطيل الاقتصاد، وتدمير مصادر الدخل. الأخطر من ذلك ليس الجوع ذاته، بل الخطاب المتعالي الذي يهاجم الضحايا ويخوّنهم حين يصرخون من شدة الحاجة. فبدلاً من الاعتراف بالأزمة، تُقابل معاناة الناس بالتشكيك والسخرية، وكأن الجوع جريمة، وكأن المطالبة بالعيش الكريم خروج على “الاصطفاء الإلهي”.

وفي الجانب الصحي، يتكرر المشهد الكارثي ذاته: انهيار الخدمات، تفشي الأمراض، غياب الدولة، وترك الناس لمصيرهم. لم يكن ذلك صدفة في الماضي، وليس صدفة اليوم، بل نتيجة طبيعية لنظام يرى في الإنسان عبئاً لا قيمة له إلا بقدر خضوعه.

إن أخطر ما يجمع بين الحقبتين هو توظيف الدين كأداة للسيطرة، حيث يتم تحويل الإيمان إلى وسيلة تبرير للظلم، وإلى سلاح لإسكات أي صوت معارض. وهنا تكمن جوهر المشكلة: سلطة لا تعترف بالمواطنة، بل تؤمن بالحق الوراثي في الحكم، وتتعامل مع الشعب كقطيع لا كشعب له حقوق.

لكن، ورغم كل هذا السواد، لا يمكن إعفاء الشرعية اليمنية من المسؤولية. فكل يوم تتأخر فيه عن تحرير صنعاء، هو يوم إضافي يُمنح العصابة الحوثية لتجذر نفسها أكثر. وكل تراجع أو تردد لا يعني فقط خسارة أرض، بل خسارة إنسان يُدفع قسراً نحو اليأس أو الخضوع.

إن معركة استعادة الدولة لم تعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية، لأن التأخير لم يعد حياداً، بل أصبح شراكة غير مباشرة في تسليم الشمال أرضاً وإنساناً للمشروع الإيراني الدخيل…

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ