لا تتعلقوا بـ«عرقوب» الحوثي
✍سمير رشاد اليوسفي

اعتدتُ، كلما ضاقت بي نشرات الأخبار وصُراخ الشعارات، أن ألوذ بديوان المتنبي أو بكتب التراث فراراً من واقع يبيعنا الأوهام. غير أن أصدقاء ألحّوا عليَّ أن أشاهد تسجيلاً مصوّراً للمهندس اليمني فداء الدين يحيى، عنوانه «أتاكُم أهلُ اليمن».
شاهدتُ المقطع الذي لم يتجاوز سبع عشرة دقيقة، فلم أعجب حين قرأت في تقرير «المجلة» اللندنية أنه حطّم أرقاماً قياسية وتخطّى تسعة ملايين مشاهدة في ثلاثة أيام؛ فالرجل لم يصرخ ولم يشتم، بل تحدّث بهدوء الواثق، ففعلت كلماته في تفكيك الدعاية الحوثية ما عجزت عنه البيانات والصواريخ، لأنها أصابت أصل الخديعة.
بدأ صاحبنا من مشهد التقطته كاميرا مراقبة في مسجد: رجل يتصدّق على امرأة فقيرة، ثم يخرج ليسرق دراجة نارية من باحة المسجد. والسؤال الذي يطرحه على ضمير المشاهد بسيط وموجع: هل تبرّئ الصدقةُ اللصَّ من السرقة؟ وهل يُسقط إحسانه للمرأة حقَّ صاحب الدراجة؟ من هذا المثال الذكي، يدخل إلى المعضلة الكبرى؛ فنحن جميعاً مع غزة، ولا يزايدنَّ أحد علينا في نصرة فلسطين، غير أن وقوف الحوثي مع غزة لا يمنحه «صك غفران» يبيح له دماء اليمنيين وأموالهم، فالحسنة لا تمحو المظلمة، والقاعدة الشرعية حاسمة: «مهما وقفتَ معي في الحق، فلن أقف معك في الباطل».
«كانت مواعيدُ عرقوبٍ لها مثلاً»، هكذا قال كعب بن زهير قديماً، وهكذا فعل الحوثيون في كل مدينة دخلوها؛ فقد عرض فداء الدين، من أرشيف قادتهم، كيف يبذلون الوعود المعسولة قبل الانقضاض على الضحية. حاصروا «دماج» وهجّروا ستة عشر ألف إنسان، ثم دخلوا «عمران» بزعم العمل المدني فقتلوا قائدها المقعد غدراً، واجتاحوا صنعاء بعد أن أقسموا ألاّ يطمعوا فيها بكرسي، وصولاً إلى قتل معلّم القرآن الشيخ صالح حنتوس في «ريمة»، وخنق «تعز» التي يقصفون بيوتها اليوم بحجة تحريرها! وهو إذ لا يعفي «الشرعية» من فسادها وعجزها، يضع اليد على أصل الداء في ملازم حسين الحوثي، حيث خرافة الاصطفاء التي تقسم الناس سادةً وعبيداً، كأنه يقول لدعاة الصلح والمخدوعين بالشعارات: لا تتعلقوا بـ«عرقوب» الحوثي!
أتابعُ منذ أيام جوقة أنصار الحوثي، فأبتسم إشفاقاً عليهم؛ إذ عادوا إلى بضاعتهم المزجاة من تهم معلّبة بالعمالة، وتفتيش بائس في ثياب الرجل ومغتربه، دون أن يجرؤ واحد منهم على مناقشة واقعة تاريخية أو آية كريمة مما أورده. وخلاصة القول عندي أن ابن اليمن هذا كسر احتكار الجماعة لدعوى «المقاومة»، وترك سؤالاً معلّقاً في رقبة كل مخدوع بهم: كيف تستقيم نصرة المظلوم في غزة مع ظلم الأخ والجار في تعز؟
اترك تعليقًا