ماذا جرى في الساحل الغربي وكيف سقطت بعض مديرياته؟
✍مكرم العزب

ما جرى في الساحل الغربي ليس مجرد هجوم عسكري تقليدي، بل معركة مركبة اعدت لها ايران عبر خبرائها في اليمن اعدادا جيدا منذ سنوات، لغرض فرض وصايتها على امن البحر الاخمر ومضيق باب المندب، فقد كانت معركة حياة او موت بالنسبة للمهاجمين، استخدم فيها اذرع ايران خطط المساقات المتتابعة والاستنزاف البشري دون توقف، والقصف بالصواريخ والمسيّرات، إلى جانب الحرب النفسية والإعلامية والتضليل الإلكتروني؛ في أسلوب يذكّر ببعض التكتيكات التي استخدمتها إيران وحلفاؤها في حروب المنطقة، ولا سيما في العراق خلال العقود الماضية.
دفع الحوثيون بأعداد كبيرة من عناصرهم في موجات وهجمات متلاحقة، مستفيدين من أي ثغرات أو ارتباك ميداني، بالتزامن مع حملة إعلامية هدفت إلى إرباك القوات ورفع معنويات المهاجمين وخفض معنويات المدافعين. كما جرى تداول تسجيلات ومعلومات مضللة، وسط ما أُثير عن اختراقات لأجهزة الاتصال والهواتف ومحاولات للتأثير في الاتصالات والقرار الميداني.
لكن سرعة الاختراق لا يمكن تفسيرها بعامل واحد؛ فهناك مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها: الضغط العسكري الكثيف، والاستنزاف، وعنصر المفاجأة، ووجود ثغرات في بعض خطوط الدفاع، وضعف التنسيق وآليات اتخاذ القرار الموحد بين التشكيلات والقيادات، وتعطل قنوات التواصل، إلى جانب ما يُثار عن اختراقات أمنية وتسريب معلومات ميدانية.
كما أن حياد أو ضعف فاعلية بعض الجبهات المتاخمة للساحل، وانشغال أو استعجال بعض الألوية في التقدم باتجاه الشمال نحو الحديدة، ربما أسهما في إضعاف بعض المواقع وترك فراغات استغلها الحوثيون بسرعة.
وفي مثل هذه المعارك، لا تسقط المواقع دائمًا بسبب هزيمة القوة المدافعة في مواجهة مباشرة؛ فقد يبدأ الانهيار من نقطة محدودة، ثم ينتقل إلى المواقع المجاورة عندما تفقد الوحدات الاتصال والدعم والقدرة على معرفة ما يجري حولها، فيتحول التراجع التكتيكي إلى انسحاب متسلسل.
ومع ذلك، فإن سقوط بعض المديريات والمواقع لا يعني انتهاء المعركة. فالحرب لا تُحسم بجولة واحدة، والسيطرة على مساحة جغرافية، مهما كانت أهميتها، لا تعني تلقائيًا حسم مسرح العمليات بأكمله.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى مراجعة حقيقية وتقييم شامل ومعرفة نقاط الضعف والقوة ، وإعادة تنظيم القوات، وسد الثغرات، ورفع كفاءة الاتصالات والاستخبارات، وتوحيد القرار العسكري والسياسي، ووضع الأولويات الميدانية ضمن استراتيجية وطنية واحدة.
فالمعركة مع الحوثيين ليست معركة على مديرية أو طريق أو ساحل فحسب؛ إنها معركة على الدولة والجمهورية والمشروع الوطني. ومن يخسر جولة لا يخسر الحرب، ما دام يمتلك القدرة على التعلم من أخطائه وإعادة تنظيم صفوفه… والدهر فقيه.
اترك تعليقًا