الصين وازدواجية التعامل في التدخل الخارجي ..في حماية الملاحة في الشرق الأوسط

أعلنت الصين استعدادها للعمل مع دول الشرق الأوسط لحماية أمن الممرات الملاحية الدولية، في ظل تصاعد التوترات وتهديد حركة الشحن في المنطقة. وخلال لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، أكد الرئيس الصيني شي جينبينغ ضرورة رفض «التدخل الخارجي»، مشدداً على أن شعوب الشرق الأوسط يجب أن تكون صاحبة القرار في شؤونها.
لكن الخطاب الصيني يطرح سؤالاً واضحاً: كيف ترفض بكين التدخل الخارجي، بينما تحافظ في الوقت نفسه على شراكة وثيقة مع إيران، التي تمارس نفوذاً عسكرياً واسعاً في المنطقة عبر جماعات مسلحة؟
فإيران تدعم جماعات مسلحة في لبنان والعراق واليمن وسوريا، فيما يمتلك الحوثيون ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استخدمت لتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. كما تشير تقارير إلى أن مكونات وتقنيات صينية تدخل في برامج إيران للطائرات المسيّرة والصواريخ، ما يساعد طهران على تطوير قدراتها العسكرية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية. الصين تتحدث عن حماية الملاحة الدولية، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بعلاقات اقتصادية وتكنولوجية وأمنية مع دولة تقف خلف شبكة من القوى المسلحة التي ساهمت في زعزعة أمن المنطقة وتهديد طرق التجارة.
ولا تقتصر العلاقة الصينية الإيرانية على الجانب العسكري. فالصين تعتمد على إيران كمصدر مهم للطاقة، بينما تمثل السوق والشراكة مع بكين منفذاً اقتصادياً مهماً لطهران، خصوصاً في ظل العقوبات والضغوط الدولية. وبذلك أصبحت العلاقة بين البلدين قائمة على مصالح استراتيجية متبادلة، تجعل الصين حريصة على الحفاظ على علاقاتها مع إيران حتى في أكثر الأزمات حساسية.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بكين استعداداً للتعامل مع تداعيات هجمات الحوثيين عندما أصبحت تهدد مصالحها التجارية وسفنها. وهذا يوضح أن أمن الملاحة يتحول إلى أولوية صينية عندما يتعلق الأمر بحماية التجارة والطاقة والمصالح الاقتصادية لبكين.
المشكلة، إذاً، ليست في دعوة الصين إلى حماية الملاحة أو رفض التدخل الخارجي، وإنما في ازدواجية المعايير. فإذا كانت سيادة دول الشرق الأوسط مبدأً ثابتاً، فمن المفترض أن يشمل رفض التدخل الإيراني أيضاً، وليس فقط التدخل الذي تقوم به القوى المنافسة للصين.
ولا يمكن الحديث عن أن شعوب المنطقة يجب أن تقرر مستقبلها بنفسها، بينما تستمر جماعات مسلحة مدعومة من إيران في لعب دور يتجاوز حدود الدول التي تنشط فيها، أو بينما تحصل طهران على تقنيات ومكونات تساعدها على تعزيز قدراتها العسكرية.
إذا كانت الصين تريد فعلاً أن تلعب دوراً في حماية الملاحة واستقرار الشرق الأوسط، فعليها أن تطبق مبدأ رفض التدخل على جميع الأطراف، وأن تتعامل مع مصادر تهديد الملاحة دون انتقائية.
فحماية الممرات البحرية لا تبدأ فقط بحماية السفن، بل بمعالجة الأسباب التي تجعل هذه الممرات عرضة للتهديد.
وفي النهاية، يكشف الموقف الصيني عن تناقض واضح بين خطاب يدعو إلى عدم التدخل وسياسة تحافظ على شراكة وثيقة مع إيران. وبينما تريد بكين الاستفادة من استقرار الشرق الأوسط وممراته التجارية، فإن استمرار دعم إيران اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً يثير تساؤلات جدية حول مدى اتساق موقفها مع حديثها عن السيادة ورفض التدخل الخارجي.

اترك تعليقًا

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
أنشئ موقعك الإلكتروني مجانًا على WordPress.com.أنشئ موقعك الإلكتروني.
ابدأ مجانًا