قرارات الرئيس العليمي الغير معلنة تعكس فسادًا إداريًا وماليًا وسياسيًا وتتناقض مع مبدأ الشراكة وتوحيد القرار

متابعات -اخبارية


تكشف قرارات الرئيس العليمي الغير معلنة عن واحدة من أبرز مظاهر الفساد الإداري والمالي والسياسي، في ظل غياب الشفافية وتراجع معايير الكفاءة والاستحقاق، واتساع مساحة المحسوبية والشللية والمصالح الشخصية والمناطقية في شغل المناصب العامة.ومنذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، تزايد الحديث عن قرارات رئاسية تتصل بالتعيينات والترقيات والتكليفات في مؤسسات الدولة، لم تُنشر تفاصيل عدد كبير منها بصورة رسمية، ما جعل الرأي العام والجهات الرقابية أمام معلومات محدودة عن طبيعة هذه القرارات، والأشخاص المشمولين بها، والمعايير التي استندت إليها.وتتحدث مصادر وتقارير متداولة عن مئات القرارات التي صدرت خلال السنوات الماضية دون أن تجد طريقها إلى وسائل الإعلام الرسمية، فيما تشير تقديرات غير موثقة إلى أن أكثر من 90% من القرارات الرئاسية لا يتم الإعلان عنها.

ما يعزز حالة الغموض المحيطة بعملية اتخاذ القرار.قرارات خلف الأبواب المغلقةتشمل القرارات غير المنشورة، وفق المعلومات المتداولة، ترقيات وتسويات لأوضاع عسكرية وأمنية، وتعيينات وتكليفات في مؤسسات حكومية وهيئات اقتصادية وإدارية، فضلاً عن قرارات نقل وتدوير وظيفي في عدد من المحافظات والمناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة.وفي دولة تعاني من الانقسام السياسي والعسكري وتعدد مراكز النفوذ، لا يمكن النظر إلى هذه التعيينات باعتبارها إجراءات إدارية روتينية. فكل تعيين في موقع قيادي يمثل قراراً بإسناد جزء من السلطة والنفوذ والموارد العامة إلى شخص أو جهة، ولذلك فإن إخفاء معايير الاختيار يحول دون معرفة ما إذا كان التعيين قد قام على الكفاءة والخبرة أم على الولاء السياسي والشخصي والمناطقي.وتصبح المشكلة أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بمناصب عسكرية وأمنية واقتصادية، حيث يمكن أن تؤدي التعيينات غير الخاضعة للرقابة إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق موازين النفوذ بدلاً من قواعد المهنية والاستحقاق.وفيما تعد معايير الكفاءة والخبرة والتخصص من أهم الأسس التي يفترض أن تحكم التعيين في الوظائف العامة، خصوصاً المناصب القيادية التي ترتبط بإدارة المال العام والاقتصاد والمؤسسات السيادية، فإن غياب الإعلان عن عدد كبير من القرارات يحرم المجتمع من إمكانية تقييم هذه المعايير، ويطرح سؤالاً أساسياً: هل يجري اختيار المسؤولين لأنهم الأكثر كفاءة، أم لأنهم الأقرب إلى دوائر النفوذ وصناع القرار؟ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال في ظل غياب المعلومات المتعلقة بآليات الترشيح والاختيار، وعدم وجود معايير معلنة للمفاضلة بين المرشحين، والأخطر أن استمرار هذا النهج يخلق بيئة إدارية تكافئ الولاء بدلاً من الإنجاز، وتمنح العلاقات الشخصية والسياسية وزناً أكبر من المؤهلات المهنية، وهو ما ينعكس مباشرة على أداء مؤسسات الدولة وقدرتها على تقديم الخدمات وإدارة الموارد العامة.إلى جانب المحسوبية،

تبرز مخاوف متزايدة من حضور الاعتبارات المناطقية والشللية في بعض التعيينات، في ظل انقسام سياسي وجغرافي عميق تعيشه البلاد، حيث لا تكمن المشكلة في انتماء المسؤول إلى محافظة أو منطقة بعينها،  وإنما في أن يصبح الانتماء المناطقي أو شبكة العلاقات الشخصية معياراً غير معلن للوصول إلى المنصب العام، على حساب الكفاءة وتكافؤ الفرص.ويؤدي هذا النمط من التعيين إلى إعادة إنتاج شبكات مغلقة داخل مؤسسات الدولة، بحيث تتركز المناصب في دائرة محدودة من الأشخاص والمقربين، بينما يتم تهميش الكفاءات التي لا تمتلك علاقات سياسية أو اجتماعية داخل مراكز النفوذ.كما أن تكريس هذا النهج يحمل خطراً إضافياً على وحدة مؤسسات الدولة، لأنه يحول الوظائف العامة إلى حصص مرتبطة بمراكز القوى، ويعمق الشعور بعدم العدالة بين الموظفين والمواطنين.جاء تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022 بوصفه صيغة سياسية جماعية تهدف إلى جمع قوى وتيارات متعددة تحت قيادة واحدة لإدارة المرحلة ومواجهة جماعة الحوثي.

غير أن الشراكة السياسية لا تعني فقط توزيع المقاعد داخل المجلس، وإنما يفترض أن تمتد إلى آليات اتخاذ القرار وإدارة مؤسسات الدولة، بحيث أنه عندما تصدر قرارات تتعلق بالمناصب العليا بعيداً عن الوضوح والتوافق، فإن ذلك يفرغ مفهوم الشراكة من جزء مهم من مضمونه، ويعزز الاعتقاد بأن التمثيل الجماعي لا يعني بالضرورة أن القرار نفسه جماعي.ومع تراكم التعيينات التي لا يعرف الرأي العام معاييرها، يتحول الأمر من مجرد غموض إداري إلى نمط من إدارة السلطة يقوم على شبكات النفوذ، حيث يصبح الوصول إلى المنصب مرتبطاً بدرجة القرب من مراكز القرار أكثر من ارتباطه بالخبرة والكفاءة. غياب الرقابة يعزز الفسادتكمن خطورة القرارات غير المعلنة في أنها تضعف واحدة من أهم أدوات مكافحة الفساد: الرقابة العامة، فالقرار المنشور يمكن للصحفي أن يفحصه، ويمكن للباحث أن يحلله، ويمكن للجهات الرقابية أن

تراجعه، ويمكن للموظف المتضرر أن يطعن فيه وفق الإجراءات القانونية.أما القرار الذي لا يعرف أحد بوجوده، فإن مساءلة الجهة التي أصدرته تصبح أكثر صعوبة، ويصبح كشف أي تجاوز مرتبطاً بالتسريبات أو المصادر الخاصة بدلاً من الوثائق الرسمية المتاحة.ومن هنا، فإن السرية المفرطة لا تحمي بالضرورة مؤسسات الدولة من الفوضى، بل قد توفر بيئة مثالية لتمرير قرارات لا تخضع للتدقيق، سواء كانت تعيينات غير مستحقة أو ترقيات لا تستند إلى معايير مهنية أو إعادة توزيع للمناصب وفق اعتبارات سياسية ومناطقية. وتثير هذه الظاهرة كذلك تساؤلات قانونية حول إجراءات إصدار القرارات ونشرها ومدى نفاذها، خصوصاً عندما تتعلق بحقوق الموظفين أو التعيين في المناصب العامة أو إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية.كما أن عدم وجود قاعدة بيانات رسمية شاملة للقرارات الصادرة عن مجلس القيادة الرئاسي ورئاسة الجمهورية منذ أبريل 2022 يجعل من الصعب تتبع تطور مؤسسات الدولة، أو معرفة حجم التغييرات التي طرأت على الجهاز الإداري والعسكري والأمني.والأكثر إشكالاً أن غياب البيانات الرسمية يترك المجال واسعاً أمام التسريبات والتقديرات المتناقضة، ويجعل الرأي العام يعتمد على مصادر غير رسمية لمعرفة قرارات يفترض أن تكون جزءاً من السجل العام للدولة

خلال 21 يوم صدر 140 قرار رئاسي من القرار 64 إلى القرار 195 لسنة 26 ولم يعلن رسميًا سوى ثمانية قرارات وبقيت 132 قرار بلا مضمون معروف للرأي العام. المشكلة ليست في كثرة القرارات الرئاسية بحد ذاتها بل في أن جزء كبير منها أصبح يصدر خارج دائرة المعرفة العامة، وهذه مسألة تتصل بجوهر الشفافية القانونية وانتظام عمل الدولة، فالقرار الذي يصدر عن رأس السلطة ويرتب أثر عام لا يفترض أن يتحول إلى معلومة محجوبة لا يعرف الناس منها سوى رقمها.

السؤال هنا ليس لماذا أصدر الرئيس كل هذه القرارات، وإنما ما هي هذه القرارات ولماذا لم تعلن وما السند القانوني لحجبها إن كان ثمة مبرر لذلك؟ هل هي قرارات تنظيمية سياسية لأحزاب أو أطراف معينة أم هي ترتيبات إدارية وسياسية تعيد توزيع المواقع والنفوذ باسلوب ممنهج وخارج الأطر القانونية أم تعيينات لمصالح محددة أم أن بينها ما يندرج في دائرة المجاملات للذوات والأقارب والأصدقاء؟!

في دولة تعاني أصلا من أزمة ثقة كل قرار لا يعرف الناس مضمونه يترك مساحة للشك وكل تعيين لا يعرفون أساسه يفتح بابا للتأويل، ومن حق المجتمع أن يعرف ماذا تقرر الرئاسة ولمن ولماذا وبأي سند، فالشفافية ليست تفضلا من السلطة بل أحد الشروط التي تجعل القرار العام قابل للمساءلة والاحترام.

اترك تعليقًا

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
أنشئ موقعك الإلكتروني مجانًا على WordPress.com.أنشئ موقعك الإلكتروني.
ابدأ مجانًا