مجمع ثانوية تعز التربوي..من صرح تعليمي إلى أطلال تعليمية

✍مكرم العزب


مررت من أمامه، فتذكرت الماضي وما آل إليه اليوم، فدمعت عيناي حزنًا عليه وعلى واقع التعليم الحكومي في تعز. وعندما نقارن أرقام الماضي بالحاضر، تتكشف أمامنا صورة مؤلمة لمسار التراجع والتآكل الصامت الذي أصاب واحدة من أهم المؤسسات التعليمية في المحافظة.
في قلب مدينة تعز، يقف مجمع ثانوية تعز التربوي شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ التعليم في المحافظة؛ صرحًا لم يكن مجرد مدرسة لتدريس المناهج، بل مؤسسة تربوية وثقافية ورياضية وكشفية ومسرحية، خرّج آلاف الطلاب الذين أصبح كثير منهم اليوم أسماءً حاضرة في مختلف مجالات الحياة.
ومن يتذكر المجمع في تلك المرحلة، يتذكر جازم، والمدير الأسطورة محمد سعيد «المعزة»، والانضباط في أكبر تجمع طلابي على مستوى اليمن والجزيرة العربية، ويتذكر التربويين اليمنيين والعرب الذين أسهموا في بناء أجيال من الطلاب، والطلاب الذين كانوا يأتون من مختلف مديريات تعز بشغف ودافعية لطلب العلم، ويتذكر الأنشطة الكشفية والرياضية والمسرحية والثقافية التي جعلت من المجمع مؤسسة تتجاوز حدود المدرسة.
نتذكر كيف كان هذا الصرح، ونسأل اليوم: لصالح من تُترك المؤسسات التعليمية التي كانت عنوانًا من عناوين تعز وواحدة من عناصر سمعتها التعليمية والثقافية؟
من 5006 طلاب إلى 979
أُنشئ المجمع عام 1987م على نفقة دولة الكويت، وصُمم ليكون مؤسسة تعليمية كبيرة تضم خمسة مبانٍ، وثلاث ساحات، و85 غرفة، منها 48 غرفة دراسية و38 غرفة إدارية وخدمية، إضافة إلى 65 حمامًا.
لكن مقارنة أرقام الماضي بالحاضر تكشف حجم الانكماش الذي تعرضت له المؤسسة.
في السابق كان المجمع يضم 198 موظفًا، بينهم 158 مدرسًا و40 إداريًا، و68 شعبة دراسية، منها 27 شعبة للمرحلة الأساسية و41 للمرحلة الثانوية.
وكان عدد الطلاب يصل إلى 5006 طلاب؛ بينهم 1226 في المرحلة الأساسية و3780 في المرحلة الثانوية.
أما اليوم، فقد انخفض عدد القوى الوظيفية إلى 102 موظف، بينهم 71 مدرسًا و31 إداريًا، وانخفض عدد الشعب الدراسية إلى 13 شعبة فقط؛ ست منها في المرحلة الأساسية وسبع في المرحلة الثانوية.
أما عدد الطلاب فقد هبط إلى 979 طالبًا، منهم 313 في المرحلة الأساسية و666 في المرحلة الثانوية.
وبلغة الأرقام، فقد خسر المجمع أكثر من 80% من طلابه وشعبه الدراسية مقارنة بما كان عليه سابقًا، بينما انخفض عدد المدرسين بأكثر من النصف.
فالانتقال من 5006 طلاب إلى 979 يعني أن أكثر من أربعة آلاف طالب لم يعودوا يتلقون تعليمهم في هذا الصرح، كما أن الانتقال من 68 شعبة إلى 13 شعبة يعني فقدان 55 شعبة دراسية، ومن 158 مدرسًا إلى 71 مدرسًا يعني فقدان 87 مدرسًا.
هذه ليست مجرد أرقام في تقرير إداري، بل مؤشرات تستحق الدراسة والتقييم والمساءلة.
عندما كانت المدرسة تصنع أكثر من مجرد طالب
لم يكن دور ثانوية تعز محصورًا داخل الفصول الدراسية.
فالمجمع كان مساحة أسهمت في ازدهار الحركة الكشفية والرياضية والمسرحية والثقافية في المحافظة، وكان بيئة تربوية خرّجت أجيالًا واصلت مسيرتها في الجامعات ومؤسسات الدولة ومختلف المهن.
كما قدّم نماذج إدارية وتربوية لا تزال حاضرة في ذاكرة أبناء تعز.
ولهذا فإن تراجع هذه المؤسسة لا يعني فقط انخفاض أعداد الطلاب، بل يعكس أيضًا تراجعًا في دور اجتماعي وثقافي وتربوي كان يتجاوز حدود المدرسة.
هل هو إهمال أم نتيجة طبيعية للحرب؟
هنا يجب التوقف قبل إطلاق الأحكام.
فالحرب والنزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية للأسر، إلى جانب توسع التعليم الأهلي، كلها عوامل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في أعداد الطلاب وأداء المدارس الحكومية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بجدية هو:
هل تكفي هذه العوامل وحدها لتفسير هذا الانكماش الكبير؟
وإذا كانت الحرب قد أضعفت المدرسة، فأين خطط إعادة التأهيل؟ وأين برامج استعادة الطلاب؟ وأين الاستثمار في هذه المنشأة الكبيرة؟ ولماذا لا يتم استغلال بنيتها التحتية وإمكاناتها لإعادة المدرسة إلى دورها الطبيعي؟
التآكل الصامت للتعليم
الأخطر من ذلك أن الإهمال المتراكم قد يقود في النهاية إلى نتائج مشابهة لتلك التي قد تنتج عن الإضعاف المتعمد.
فمدرسة حكومية تفقد طلابها ومدرسيها وشعبها تدريجيًا، دون معالجة جادة لأسباب التراجع، تتحول مع الوقت من مؤسسة تعليمية فاعلة إلى مبنى واسع محدود الاستخدام.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل نحن أمام أزمة تعليمية فقط، أم أمام مسار يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف التعليم الحكومي لصالح التعليم التجاري والخاص؟
فالمشكلة ليست في وجود التعليم الأهلي بحد ذاته، وإنما في أن يتحول تراجع التعليم الحكومي إلى المسار الوحيد لنموه، في ظل ظروف اقتصادية صعبة تعيشها غالبية الأسر اليمنية.
ثانوية تعز نموذجًا
ما حدث في مجمع ثانوية تعز يمكن أن يشكل نموذجًا لدراسة أوسع حول واقع التعليم الحكومي في المحافظة.
لدينا مبانٍ كبيرة، وساحات، وغرف دراسية وإدارية، وتجربة تاريخية، وكوادر تربوية، وذاكرة اجتماعية غنية، لكن في المقابل لدينا 979 طالبًا فقط مقارنة بـ5006 طلاب في السابق.
وهذه المفارقة تستدعي أن تتحول إلى ملف دراسة ومساءلة مجتمعية جادة.
ليس المطلوب استحضار الماضي بحسرة، ولا تحميل جهة بعينها كامل المسؤولية، وإنما المطلوب فهم أسباب التراجع ووضع خطط عملية لإعادة الاعتبار لهذه المؤسسة وغيرها من المدارس الحكومية.
فالأوطان لا تبني مستقبلها عبر إهمال مؤسساتها التعليمية أو تركها تتآكل ببطء.
ومجمع ثانوية تعز ليس مجرد خمسة مبانٍ و85 غرفة؛ إنه ذاكرة أجيال، ومصنع عقول، ومساحة أسهمت في تشكيل جزء من التاريخ الثقافي والرياضي والكشفي والمسرحي لتعز.
وإذا كان قد احتضن في السابق أكثر من خمسة آلاف طالب، فإن السؤال اليوم لا يقتصر على: لماذا أصبح عددهم 979 فقط؟
بل السؤال الأهم:
من المسؤول عن استعادة هذا الصرح لدوره، قبل أن يتحول من مؤسسة صنعت أجيالًا إلى مجرد مبانٍ توثق مرحلة من تاريخ التعليم في تعز؟… والدهر فقيه.

اترك تعليقًا

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
أنشئ موقعك الإلكتروني مجانًا على WordPress.com.أنشئ موقعك الإلكتروني.
ابدأ مجانًا