قراءة أولية في تعميم مكتب التربية بتعز بشأن تحديد الرسوم الدراسية

✍مكرم العزب

تعميم مكتب التربية والتعليم بمحافظة تعز بشأن تحديد الرسوم الدراسية لطلاب المدارس الحكومية، والتي تتراوح بين 50 و200 ريال، يستحق قراءة هادئة وبسيطة تتجاوز مسألة قيمة الرسوم نفسها، إلى سؤال أهم: هل هذه الرسوم مناسبة للواقع الاقتصادي الحالي واحتياجات المدارس الفعلية؟ ومن سيتحمل العجز في تمويل العملية التعليمية؟

المشكلة ليست في فكرة تنظيم الرسوم أو منع العشوائية في التحصيل، فهذا أمر مهم لحماية الطلاب وأولياء الأمور، لكن الإشكال أن تحديد رسوم رمزية جداً بدون وجود آلية واضحة لتغطية احتياجات المدارس قد يترك فجوة مالية صعب التعامل معها.

من الخطأ التعامل مع الرقم النقدي وكأنه ثابت في قيمته.
فالـ50 ريالاً التي كانت قبل الحرب لها قيمة شرائية أكبر بكثير مما هي عليه اليوم، ولم تعد تؤدي نفس الدور الاقتصادي. لذلك تثبيت الرقم على الورق لا يعني أن قيمته الحقيقية ثابتة.
ومن هنا، أي دراسة للرسوم الدراسية لازم تأخذ في الاعتبار تغير سعر الصرف والتضخم وتكاليف الخدمات واحتياجات المدارس، وليس فقط أرقام قديمة لم تعد تعكس الواقع.
لكن السؤال الأهم ليس: هل نرفع الرسوم أم لا؟
بل: كيف نمول التعليم الحكومي في ظل تراجع القوة الشرائية وضعف الإنفاق العام؟

المدرسة الحكومية لديها احتياجات حقيقية، هناك احتياجات يومية مثل المياه والنظافة والصيانة والكهرباء والقرطاسية والطباعة والاختبارات والأنشطة التعليمية والإدارية، إضافة إلى احتياجات أكبر مثل الكتاب المدرسي والمقاعد والتجهيزات وترميم المباني.

وفي ظل الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة، كثير من المدارس الحكومية تعاني من نقص واضح في الموارد، وكذلك القطاع التعليمي بشكل عام يعاني من نقص في المعلمين والكتب المدرسية.

لذلك فإن تحديد رسوم رمزية لا تكفي لتغطية هذه الاحتياجات بدون وجود مصدر تمويل آخر، يعني عملياً نقل المشكلة إلى إدارة المدرسة.

من غير المنطقي أن يُطلب من مدير المدرسة توفير كل احتياجاتها، بينما لا تُمنح المدرسة الموارد اللازمة لذلك.

فالمدير لا يمكنه الإنفاق من موارد غير موجودة، ولا يمكن تحميل إدارة المدرسة مسؤولية تحسين الخدمة التعليمية بدون توفير الحد الأدنى من الإمكانات.

لذلك معالجة المشكلة يجب أن تكون مؤسسية ومالية، وليس عبر تحميلها للأفراد داخل المدرسة.

هل رفع الرسوم هو الحل؟

ليس بالضرورة.

فالطلاب وأولياء الأمور ليسوا مسؤولين عن انهيار العملة أو ضعف الموازنة العامة، ورفع الرسوم بشكل كبير قد يزيد العبء على الأسر، خصوصاً في ظل تراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.

كما أن التعليم الحكومي يجب أن يظل متاحاً لأوسع شريحة من المجتمع، وألا يتحول الفقر إلى سبب لحرمان الطفل من التعليم.

لذلك الهدف يجب أن يكون تنظيم الرسوم ومنع الاستغلال، مع توفير مصادر تمويل أخرى للمدارس.

الحل الواقعي: تمويل متعدد المصادر

إذا كانت الموازنة الحكومية غير قادرة حالياً على تغطية كل احتياجات المدارس، فهذا لا يعني ترك المدارس تواجه الوضع وحدها.

يمكن التفكير في نموذج تمويل مجتمعي منظم وشفاف، يعتمد على مشاركة المجتمع المحلي ورجال الأعمال والمغتربين وأولياء الأمور والمبادرات المجتمعية، بحيث تتحول المساهمات الفردية إلى شراكة مجتمعية منظمة لدعم التعليم.

وهنا يمكن إنشاء مجالس دعم للمدارس بالتنسيق مع مكتب التربية، تكون حساباتها واضحة ومعلنة، حتى لا تتحول الجهود إلى فوضى أو استغلال.

إعادة توجيه مساعدات المنظمات

هناك جانب مهم أيضاً، وهو إعادة توجيه جزء أكبر من مساعدات المنظمات الدولية نحو الأولويات التعليمية الحقيقية.
بدلاً من توزيع المساعدات على مشاريع محدودة الأثر، يمكن توجيهها إلى:

دعم الكتاب المدرسي
معالجة نقص المعلمين
صيانة وترميم المدارس
توفير المياه والنظافة
توفير المستلزمات التعليمية
دعم المدارس الأكثر احتياجاً
تمويل التعليم في المناطق الفقيرة والمتضررة
إنشاء آلية مستدامة لدعم التعليم
وهذا يتطلب من السلطة المحلية ومكتب التربية إعداد خريطة واضحة لاحتياجات المدارس، حتى تكون المساعدات أكثر فاعلية ووضوحاً.

المطلوب ليس إلغاء التعميم.. بل تطويره
وجود تعميم يحدد الرسوم ويمنع الفوضى أمر مهم، لكن التعميم وحده لا يكفي.
لا بد أن يكون معه تصور مالي وإداري واضح يجيب عن أسئلة أساسية:
كم تحتاج المدرسة فعلياً لتشغيلها سنوياً؟
كم تغطي الموازنة الحكومية؟
كم تغطي الرسوم المحددة؟
ومن أين يأتي تمويل العجز؟
إذا كانت الرسوم لا تكفي، فلا بد من وجود جهة أو آلية واضحة تغطي الفرق.

القضية هي: هل نريد أن تبقى المدرسة الحكومية قادرة على أداء دورها، أم نتركها تضعف تدريجياً بسبب نقص التمويل؟

الخطر الحقيقي ليس في التعليم الأهلي، بل في أن ضعف التعليم الحكومي قد يدفع الأسر الفقيرة والمتوسطة نحو التعليم الخاص، ليصبح التعليم الجيد حكراً على من يستطيع الدفع.

لذلك حماية المدرسة الحكومية مسؤولية مشتركة: الدولة، والسلطة المحلية، والمجتمع، ورجال الأعمال، والمنظمات، وأولياء الأمور، والمجتمع المحلي، وتوجيه دعم المنظمات الدولية نحو الأولويات التعليمية، إلى جانب ما تستطيع الدولة والسلطة المحلية والدهر فقيه

اترك تعليقًا

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
أنشئ موقعك الإلكتروني مجانًا على WordPress.com.أنشئ موقعك الإلكتروني.
ابدأ مجانًا