بيان احزاب تعز بين هشاشة الواقع ورنين الشعارات
✍مكرم العزب

أصدرت أحزاب وتنظيمات سياسية في محافظة تعز بيانًا سياسيًا حافلًا بالشعارات الوطنية والدعوات إلى التماسك واستعادة الدولة وتحقيق النصر والتحرير. غير أن قراءة البيان في ضوء واقع المحافظة تضعنا أمام مفارقة قديمة تختصرها العبارة الشعبية: «أسمع كلامك أصدقك، أشوف أفعالك أستغرب».
فالمشكلة ليست في جمال الشعارات، ولا في صحة كثير من المبادئ التي يتحدث عنها البيان، وإنما في الفجوة الكبيرة بين ما تقوله هذه القوى وما يلمسه المواطن في الواقع. ومن هنا يمكن تسجيل عدد من المفارقات:
أولًا: شعارات الإنقاذ في مواجهة واقع الفشل
تتحدث الأحزاب عن إنقاذ المحافظة والدولة، بينما يعاني المواطن في المناطق المحررة من تراجع الخدمات، وضعف المؤسسات، وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتعثر كثير من الملفات التي يفترض أن تكون في مقدمة أولويات السلطة المحلية.
وهنا يحق للمواطن أن يسأل: إذا كانت هذه القوى السياسية تمتلك هذا الحرص على إنقاذ تعز واليمن، فلماذا لم ينعكس وجودها الطويل في مواقع القرار والنفوذ على حياة الناس؟
فالسياسة لا تُقاس بكثرة البيانات، وإنما بما تنتجه من مؤسسات فاعلة، وخدمات مستقرة، وأمن، وقضاء، وتعليم، وصحة، وطرق، وفرص عمل، وإدارة رشيدة للموارد العامة.
ثانيًا: أحزاب تتحدث عن إنقاذ الدولة وهي جزء من أزمتها
يتحدث البيان عن الدولة والجمهورية والوحدة والديمقراطية، وهي مبادئ لا يختلف عليها أحد من حيث المبدأ. لكن السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا فعلت هذه القوى للحفاظ على هذه القيم داخل مؤسسات الدولة وداخل أحزابها نفسها؟
فالديمقراطية لا تكون شعارًا في البيانات وممارسةً للإقصاء في الواقع، والوحدة لا تكون خطابًا سياسيًا بينما تمارس القوى نفسها التهميش والاستحواذ، والدولة لا تُبنى بمنطق المحاصصة الحزبية وتقاسم النفوذ.
إن جزءًا من أزمة الدولة اليمنية يتمثل في تحويل المؤسسات العامة إلى ساحات للتنافس الحزبي والشخصي، بدل أن تكون مؤسسات وطنية تعمل وفق القانون والكفاءة والمصلحة العامة.
ثالثًا: الحديث عن الوحدة ولمّ الشمل وسط الانقسام الداخلي
من المفارقات أن يدعو البيان إلى الوحدة ولمّ الشمل، في حين أن القوى السياسية نفسها تعاني من خلافات وصراعات داخلية، وتتنافس مراكز النفوذ والشخصيات والتيارات على المواقع والمصالح.
فكيف يمكن لقوى لم تنجح في إدارة خلافاتها الداخلية أن تقدم نفسها بوصفها مشروعًا للوحدة الوطنية؟ ففاقد الشئ لا يعطيه
الوحدة ليست مجرد كلمة جميلة في بيان سياسي؛ إنها ثقافة تقوم على قبول الآخر، واحترام الاختلاف، وتداول المسؤولية، ورفض الإقصاء والاستئثار.
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الأطراف تتصارع على «كعكة» لم تنضج بعد، بل لم تُحسم حتى ملامحها، وكأن المعركة على النفوذ والمناصب تسبق قيام الدولة التي يتحدثون عنها.
رابعًا: التحرير وحده لا يكفي
يتحدث البيان عن حسم المعركة والتحرير والمقاومة، وهي قضايا مرتبطة بمصير البلاد، لكن التحرير في مفهوم الدولة الحديثة ليس مجرد تقدم عسكري أو السيطرة على الجغرافيا.
السؤال الحقيقي هو: ماذا بعد التحرير؟
هل ستكون هناك دولة قانون؟
هل ستعمل المؤسسات بعيدًا عن المحسوبية والحزبية؟
هل سيحصل الموظف على راتب عادل ومنتظم؟
هل ستتوفر الكهرباء والمياه والصحة والتعليم؟
هل سيجد المواطن قضاءً مستقلًا وأمنًا يحميه؟
هل ستُدار الموارد العامة بشفافية؟
هل ستتحول المناطق المحررة إلى نموذج للدولة التي يُراد استعادتها؟
فالدولة لا تُستعاد بالخطاب السياسي وحده، ولا تُبنى بالبندقية وحدها، وإنما تُبنى بالقانون والمؤسسات والعدالة والخدمات والتنمية وحماية حقوق المواطنين.
خامسًا: المواطن يريد أفعالًا لا بيانات
لقد سئم المواطن اليمني عمومًا، والتعزي خصوصًا، من البيانات التي تزدحم بالمفردات الكبيرة: الدولة، الجمهورية، الوحدة، الديمقراطية، التحرير، النضال، المقاومة، الاصطفاف الوطني.
هذه الكلمات فقدت الكثير من بريقها عندما لم يجد المواطن أثرها في حياته اليومية.
المواطن يريد مدرسة لا شعارًا عن التعليم، ومستشفى لا خطابًا عن الصحة، وطريقًا لا وعدًا بالتنمية، وقضاءً عادلًا لا حديثًا عن سيادة القانون، وراتبًا منتظمًا لا بيانات عن دعم الموظفين، وأمنًا يحميه لا تصريحات عن الاستقرار.
سادسًا: مراجعة الذات قبل مطالبة الآخرين
كان الأجدر بالأحزاب، وهي تدعو إلى إنقاذ الدولة، أن تبدأ بمراجعة تجربتها السياسية، وأن تسأل نفسها بصراحة: ما مسؤوليتنا عن الحالة التي وصلت إليها البلاد؟
فالأزمة اليمنية لم تأتِ من فراغ، ولم يصنعها طرف واحد وحده. لقد ساهمت النخب السياسية، بدرجات متفاوتة، في إنتاج بيئة سياسية هشة، وفي تكريس الانقسام، وفي تحويل الدولة إلى ساحة للمحاصصة والصراع على السلطة.
ومن يريد أن يقود مرحلة الإنقاذ عليه أولًا أن يمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء، لا أن يضع نفسه دائمًا في موقع المنقذ، ويتجاهل دوره في صناعة الأزمة.
سابعًا: تعز تحتاج مشروع دولة لا مشروع تقاسم
تعز ليست بحاجة إلى مزيد من البيانات السياسية بقدر حاجتها إلى مشروع واضح لإدارة المحافظة، يقوم على دولة المؤسسات، والكفاءة، والشفافية، والمساءلة، وفصل المصلحة العامة عن المصالح الحزبية والشخصية.
وتحتاج إلى أن تتحول المنافسة السياسية من صراع على المواقع إلى تنافس على تقديم أفضل نموذج في الإدارة والخدمات والتنمية.
فإذا كانت الأحزاب تريد فعلًا استعادة الدولة، فلتبدأ من المناطق التي تديرها اليوم. وإذا كانت تريد إثبات قدرتها على بناء الدولة، فلتقدم للمواطن نموذجًا مصغرًا للدولة التي تتحدث عنها.
الخلاصة
لا أحد يعترض على الدعوة إلى الوحدة والجمهورية والديمقراطية واستعادة الدولة، لكن المشكلة أن الشعارات لا تصبح حقيقة بمجرد كتابتها في بيان سياسي.
المواطن يحاكم الأحزاب من خلال أفعالها، لا من خلال بياناتها؛ ومن خلال ما قدمته للمجتمع، لا من خلال ما تعد به؛ ومن خلال قدرتها على إدارة المناطق الواقعة تحت نفوذها، لا من خلال حديثها عن المستقبل.
ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الأحزاب السياسية في تعز هي ببساطة:
قبل أن تطلبوا من الناس أن يصدقوا شعاراتكم عن الدولة، أقنعوهم أولًا بأنكم قادرون على بناء نموذج مصغر منها. وقبل أن تتحدثوا عن إنقاذ اليمن، راجعوا ما صنعتموه في تعز. وقبل أن تطالبوا بالاصطفاف الوطني، مارسوا التوافق والديمقراطية داخل مؤسساتكم.
فقد تعب الناس من رنين الشعارات، وهم اليوم يريدون أن يروا ثقل الأفعال… والدهر فقيه
اترك تعليقًا