قريبًا… سنعود إليكِ يا أمَّ المدائن اليمنية، يا صنعاء.
✍مكرم العزب

سنعود إلى المدينة التي لا تُشبه سواها، المدينة التي كلما ابتعدنا عنها، ازددنا يقينًا أنها ليست مجرد عاصمة، بل ذاكرة وطن، ودفتر أعمار، وحكاية لا تنتهي.
اشتقنا إلى مآذنكِ وهي تعانق السماء، وإلى قباب مساجدكِ التي تحفظ ملامح التاريخ، وإلى تكبيرات الأذان التي كانت تملأ الأرواح طمأنينة، وإلى أصوات قرّاء القرآن وهي تنساب في الفجر، فتوقظ فينا الإيمان قبل أن توقظ المدينة.
اشتقنا للطرب الصنعاني الأصيل وهو ينساب في أزقّتكِ العتيقة، وإلى الرقصات الصنعانية التي تختزل أناقة الإنسان اليمني ورقي ذوقه، وإلى لياليكِ التي كان للفن فيها طعم الوطن.
اشتقنا لكل انسان عاش فيك فكان الحب والسلام عنوانه ونهجه
اشتقنا إلى باب اليمن، وإلى صنعاء القديمة؛ إلى بيوتها الشامخة، وقمرياتها الملوّنة، ونوافذها المزخرفة، وأبوابها التي كانت تروي تاريخًا كاملًا وهي خرساء
اشتقنا إلى أن نسير راجلين او راكبين في شارع التحرير، وجمال، والزبيري، وحدة، والدائري، والسبعين، وشارع تعز؛ شوارع لم تكن مجرد طرقٍ معبّدة، بل كانت شرايين تمدنا بالتفاؤول وتعزف في ارواحنا نبض الحياة.
اشتقنا إلى المقاهي القديمة، وإلى ضحكات روّادك، ومزاح أهلكِ الطيبين، وإلى تلك الأحاديث البسيطة التي كانت تصنع دفء المشاعر .
اشتقنا إلى أسواق العطّارين، وإلى رائحة البن اليمني المتصاعدة من البيوت القديمة، وإلى ضجيج مطاعم السلتة والفحسة.
اشتقنا إلى المدينة التي احتضنت أبناء اليمن جميعًا، دون أن تسأل أحدًا عن محافظته أو منطقته أو انتمائه. مدينةٌ كانت تُعلِّمنا، كل يوم، أن اليمن أكبر من كل الانقسامات، وأن المحبة أوسع من كل الخلافات.
اشتقنا إلى صنعاء التي كنا نختلف فيها في اللهجات، لكننا نتحدث بلغة واحدة اسمها اليمن، ونحمل قلبًا واحدًا يخفق بحب هذا الوطن.
قريبًا يا صنعاء… ستفتحين أبوابكِ من جديد، وستعودين كما عرفناكِ: مدينةً للجميع، وبيتًا لكل اليمنيين، وعنوانًا للتسامح، وعاصمةً لا يسكنها الحجر وحده، بل يسكنها التاريخ، والإنسان، والحب.
وسنردد، كما ردّد اليمنيون عبر السنين:
“لا بدَّ من صنعاء… وإن طال السفر…. والدهر فقيه
أضف تعليق