ظاهرة القات في اليمن ليست السبب الرئيسي في المعظلة اليمنية..لاكن المشكلة اعمق
✍مكرم العزب

استمعت مؤخرا إلى محاضرة للقيادي الاخواني الأستاذ توهيب الدبعي، وقد حمل فيها القات مسؤولية ما وصل إليه اليمنيون من تراجع واعاقة للتنمية والانقسامات. وأعتقد أن هذا التشخيص يختزل أزمة معقدة في سبب واحد، بينما الحقيقة أن القات ليس أصل الداء، بل أحد أعراضه.
لا ينكر احد أن القات آفة اجتماعية واقتصادية وصحية، تستنزف المياه والوقت والمال، وتخفض الإنتاج، وتستحق أن تكون ضمن أولويات المعالجات، لكن تحويله إلى المتهم الأول، وربما الوحيد، يعني إعفاء المتهم الحقيقي من المسؤولية.
فلو كان القات هو السبب الرئيسي، لكانت المحافظات الأقل استهلاكًا له أكثر ازدهارًا، ولكانت الدول التي لا تعرف القات محصنة من الفساد والفشل، لكن المنطق يقول إن الدول تنهض أو تسقط بحسب جودة الإدارة، لا بحسب نوع النبات الذي يزرعه مواطنوها.
منذ قيام الثورة، تعاقبت على اليمن نخب سياسية لم تُبنَ شرعيتها على الكفاءة ولا على التخطيط، بل على المحاصصة، والولاءات الضيقة، وتقاسم النفوذ. فكانت النتيجة دولة هشة، ومؤسسات ضعيفة، وموارد مهدرة، وتنمية غائبة، وفساد يتوارث نفسه جيلاً بعد جيل.
لم يكن القات هو من عطّل بناء السدود، ولا هو من أغلق المصانع، ولا هو من بدد الثروات، ولا هو من قتل فكرة الدولة. من فعل ذلك هو الإنسان حين أساء إدارة السلطة، وحوّل الدولة إلى غنيمة، والمناصب إلى مكافآت، والكفاءة إلى استثناء، فمنحت المواقع الادارية الحساسة والهامة حسب الانتماءات القبلية او الطائفية او المناطقية او الحزبية الضيقة،وسلمت ارادة الدولة وصناعة قرارها وتنفيذ سياساتها لنخب سياسية ليس لها أي شعور بالانتماء للوطن ولا تحمل معيارية الكفاءة،ولا تعي اوليات الوطن في البناء والتنمية،فاهدرات تلك النخب موارد الوطن وطاقاته في صناعة ذاتها وتامين مصالحها الضيقة…
اعتقد إن ظاهرة القات وانتشاره في اليمن ، على الرغم من أضراره، أصبح بالنسبة لآلاف الأسر وسيلة عيش فرضتها ظروف الاقتصاد المختل. فهو يوفر دخلاً لمزارعين وعمال وباعة وناقلين، ويعيد تدوير جزء من السيولة داخل الأسواق المحلية،كما يعتبر الكثيرون من اليمنين ان تناول الانساني اليمني القات، ربما البديل الافضل والاقل ضرر من تناول المخدرات، وهذه ليست دعوة للدفاع عنه، وإنما لفهم أسباب انتشاره، لأن معالجة النتائج دون علاج الأسباب لن تغير الواقع.
لو وجدت دولة تمتلك رؤية اقتصادية حقيقية، لاستطاعت أن تقلص زراعة القات تدريجيًا وتتبنى خططا استراتيحية للتخلص من هذه الظاهرة ، ليس بالمنع والشعارات، بل بتوفير بدائل زراعية أكثر ربحية، وبناء السدود، وتطوير الري، وتشجيع الصناعة، وخلق فرص عمل تجعل المواطن يترك القات لأنه وجد خيارًا أفضل، لا لأنه أُجبر على ذلك.
اليمن لا يحتاج إلى البحث عن شماعة جديدة يعلق عليها فشله، بل يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن أزمة هذا البلد كانت، وما تزال، أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة قات. فحين تُبنى الدولة على الكفاءة، ويُحارب الفساد، وتُدار الموارد بعقل الدولة لا بعقل الغنيمة، ستصبح معالجة القات وغيرها من المشكلات مهمة ممكنة، لا معركة مستحيلة.
إن شجرة القات لم تحكم اليمن يومًا… لكن من حكموا اليمن هم من صنعوا البيئة التي جعلت القات يبدو وكأنه المشكلة الكبرى، بينما كان في الحقيقة جزءًا من أزمة أكبر عنوانها: غياب الدولة الرشيدة… والدهر فقيه
أضف تعليق