الحوثيون يواصلون صناعة عقول تؤمن بخرافتهم والشرعية والتحالف في غيبوبة اختيارية

✍مكرم العزب


بينما تنشغل سلطات حكومات عدن بتقاسم الحصص السياسية والجبهات العسكرية ومراكز النفوذ والمال العام، ينفرد الحوثيون بصناعة “قنابل بشرية موقوتة” عبر بوابات المدارس و بوابات الجامعات

في الوقت الذي تتركز فيه أنظار العالم على خطوط التماس العسكرية في اليمن وحسابات الربح والخسارة الميدانية، تجري خلف الكواليس معركة أشد ضراوة وأكثر خطورة على مستقبله؛ معركة لا تُستخدم فيها الرصاصات، بل الكلمات والمناهج التعليمية.

في غفلة مطبقة من الحكومة الشرعية وتحالف دعم الشرعية، تمضي جماعة الحوثي بخطى متسارعة وممنهجة في “تجريف وعي المجتمع اليمني”، مستهدفةً عقول الناشئة عبر إعادة صياغة الهوية الوطنية والدينية لليمنيين بما يخدم مشروعها السلالي الكهنوتي.

لم تكن نشأة الحركة الحوثية وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة دراسة دقيقة للثغرات في الجسد اليمني. استغلت الحركة الفجوة التعليمية الكبيرة في المناطق الريفية والنائية، مستثمرةً انتشار الأمية والجهل لبناء كيان عقائدي متطرف.
استهداف الفئات الهشة: ركزت الحركة في بداياتها كحركة فكرية سلالية على استقطاب الأطفال والشباب المهمشين والأميين.

جرى عزل هؤلاء الضحايا في حواضن فكرية مغلقة، وتغذيتهم بأفكار مناقضة تماماً للثوابت الوطنية وقيم ثورتي (26 سبتمبر و14 أكتوبر) الخالدة، التي قامت أساساً لتهدم عروش الكهنوت والاستعمار وتُرسخ قيم المساواة والعدالة.

بعد إفراغ عقول هؤلاء الأتباع من هويتهم اليمنية الجمهورية، جرى شحنهم بعقيدة الولاء المطلق لـ”السيد”، ليتحولوا إلى وقود للمعارك وجدار بشري يحمي مصالح النخبة السلالية.

منذ اجتياح العاصمة صنعاء والسيطرة على مؤسسات الدولة، أدرك الحوثيون أن السيطرة العسكرية والسياسية مؤقتة ما لم تُحمَ بـ”جيش عقائدي” يدين لها بالولاء المطلق. من هنا، تحول قطاع التعليم بكل مراحله إلى ساحة حرب فكرية مفتوحة، يقول أحد خبراء التعليم :
“إن أخطر ما قامت به الجماعة ليس مصادرة المرتبات أو السلاح، بل مصادرة عقول الأطفال عبر غرف الصفوف الدراسية.”

شطب الحوثيون من المناهج والمقررات الدراسية الجامعية  الرموز الوطنية اليمنية، واستبدلوها برموز سلالية وطائفية، وتضمين المناهج أفكاراً تمجد العنف وفكر “الحق الإلهي” في الحكم.

اتبع الحوثيون سياسة تحويل الإذاعات المدرسية والأنشطة اللاصفية والجامعات إلى منابر تعبوية مستمرة.
المراكز الصيفية (معسكرات التجنيد الفكري): استغلال الإجازات الدراسية لحشد مئات الآلاف من الأطفال تحت شعارات حماسية، في عملية غسيل أدمغة جماعية مكثفة.

تمكن الحوثيون شكليا من توظيف التعاطف الشعبي الفطري مع القضية الفلسطينية والصراع مع الكيان الصهيوني، ليس نصرةً للقدس، بل لاستقطاب الأطفال وتوجيه غضبهم القومي والديني لخدمة أجندة الجماعة الداخلية والإقليمية ،ليس على الأعداء ولكن على اليمنين وتصويرهم المجتمع أنهم هم  الصهاينة أو الامريكين من خلال شعاراتهم المكذوبة.

يتسال البعض: أين “الشرعية” من معركة الوعي؟

في المقابل، تظهر المفارقة الصادمة والقاتلة؛ فالأطراف المناهضة للمشروع الحوثي، والمتمثلة في “الحكومة الشرعية” مدعومة بالتحالف، تعيش حالة من العجز والغياب التام عن هذه المعركة المصيرية.
غياب الاستراتيجية التعليمية البديلة: لا تمتلك الشرعية حتى اللحظة أي خطة وطنية شاملة لمواجهة التجريف الحوثي لعقول الأجيال في المناطق الخاضعة لسيطرتها، أو لإنقاذ الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين عبر مناهج بديلة تفاعلية أو برامج توعوية موجهة.
كما تعاني المناطق المحررة من تدهور مريع في القطاع التعليمي، وإهمال مستمر للمعلمين الذين يعانون من ضعف الرواتب وانقطاعها، مما شلّ قدرة المدرسة الجمهورية على الصمود وتقديم نموذج جاذب، ومن جهة أخرى  عجزت المؤسسات الإعلامية والثقافية التابعة للشرعية عن صياغة خطاب إعلامي حديث يخاطب وعي الجيل الجديد ويفضح زيف المرويات الحوثية الكهنوتية بأسلوب علمي ومقنع.

خاتمة يدرك أهل المعرفة ان  خسارة العقول هي الخسارة الأبدية،وإن الانتصار في معركة استعادة الدولة لا يقتصر على استعادة الأرض، بل يكمن أولاً وأخيراً في استعادة “الإنسان اليمني”. وإذا استمرت الشرعية والتحالف في تجاهل معركة الهوية والتعليم، فإن كلفة استرداد الوعي اليمني مستقبلاً ستكون أضعاف كلفة الحرب العسكرية الحالية.
لقد حان الوقت لتدرك الشرعية أن السكوت والتقاعس عن تحصين عقول الأجيال هو بمثابة تسليم صامت لمستقبل اليمن لقمة سائغة للمشروع الكهنوتي.

فهل يستفيق حماة الجمهورية قبل أن يستيقظوا على جيل كامل لا يعرف عن ثوابت سبتمبر وأكتوبر سوى طلاسم الطاعة والتبعية؟ ….والدهر فقيه

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ