الشباب وثقافة الاغتراب الرقمي
✍مكرم العزب

حتى وقت قريب، لم يكن من السهل أن تجد شابًا يتماهى مع ثقافات بعيدة أو يتبنى مشاعر وانحيازات لا تمت إلى بيئته بصلة. كان الانتماء يبدأ من الأسرة، ثم الحي، ثم الوطن، وكانت الثقافة والهوية والدين تشكل البوصلة التي توجه المشاعر والاهتمامات، حتى في الرياضة والفن.
أما اليوم، فقد قلبت منصات التواصل الاجتماعي هذه المعادلة رأسًا على عقب. لم تعد الأسرة ولا المدرسة ولا المجتمع المصدر الأول في تشكيل وعي الشباب، بل أصبحت الخوارزميات هي المعلم الجديد، تصنع الأذواق، وتوجه الانفعالات، وتحدد لمن يصفق الشباب، ومن يحبون، ومن يعادون.
وقد كشفت التفاعلات التي صاحبت كأس العالم 2026 حجم هذا التحول؛ إذ بدا بعض الشباب أكثر حماسًا لمنتخبات وشخصيات أجنبية من حماسهم لقضايا أوطانهم ومجتمعاتهم. وليس الاعتراض هنا على تشجيع فريق أو الإعجاب بنجم عالمي، فذلك أمر طبيعي في عالم الرياضة، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الإعجاب إلى اغتراب، ويصبح الشاب أقرب نفسيًا وثقافيًا إلى عالم افتراضي بعيد، من قربه إلى واقعه وأهله ووطنه.
المشكلة ليست في الرياضة، فالرياضة رسالة إنسانية راقية، تبني الشخصية، وتغرس قيم المنافسة والانضباط والعمل الجماعي. لكن المشكلة تكمن في الطريقة التي تُدار بها صناعة النجومية عبر المنصات الرقمية، حيث تتحول الرياضة إلى أداة للتأثير في العقول وتوجيه المشاعر، حتى يصبح بعض الشباب أسيرًا لما تفرضه الخوارزميات، لا لما يمليه الوعي والعقل.
والأخطر من ذلك أن تراجع دور الأسرة، وضعف المدرسة، وغياب المشروع الثقافي والتربوي، ترك فراغًا ملأته المنصات الرقمية. فأصبحت المرجع الأول في تشكيل الأفكار والقيم، وصار المحتوى الرائج أكثر تأثيرًا من المعلم، والمشاهير أكثر حضورًا من القدوات الحقيقية.
إن معركتنا اليوم ليست مع الرياضة، ولا مع التكنولوجيا، ولا مع وسائل التواصل الاجتماعي، بل مع غياب الوعي. فنحن بحاجة إلى جيل يمتلك عقلًا ناقدًا، يستفيد من العالم الرقمي دون أن يفقد هويته، وينفتح على الثقافات الأخرى دون أن يذوب فيها، ويستمتع بالرياضة العالمية دون أن يتخلى عن انتمائه لوطنه ومجتمعه.
فالانفتاح على العالم فضيلة، أما الاغتراب عن الذات فليس تقدمًا، بل خسارة للهوية. والأمم التي تفقد هويتها لا تعوضها كثرة المتابعين، ولا تصنع مستقبلها الخوارزميات، وإنما يصنعه الإنسان الواعي المعتز بقيمه، والمنفتح على العالم بعقل، لا بانبهار…والدهر فقيه
أضف تعليق