اخفاقات مجلس القيادة الرئاسي: عامل رئيسي في تأخير استكمال عملية التحرير
✒️ د/طلال عبدالعزيز محمود عبدالحميد

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، تتزايد الانتقادات حول أثر أدائه على مسار استعادة الدولة. ويرى مراقبون وسياسيون أن حالة الجمود العسكري والسياسي والاقتصادي التي تشهدها المناطق المحررة تعود بدرجة كبيرة إلى اختلالات في إدارة المجلس لملف الحرب والسلام، ما انعكس سلباً على فرص الحسم مع المليشيات الحوثية.
منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، كان المأمول أن يمثل نقلة في إدارة المعركة الوطنية واستعادة مؤسسات الدولة. لكن بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات، لا تزال جبهات القتال متوقفة، والملف السياسي يراوح مكانه، فيما تزداد معاناة المواطن في مناطق سيطرة الحكومة.
التقييم الموضوعي لأداء المجلس خلال هذه الفترة يشير إلى مجموعة اختلالات هيكلية ووظيفية انعكست بشكل مباشر على مسار “التحرير”.
1- غياب مركزية القرار العسكري
كان من المفترض أن يشكل المجلس مرجعية موحدة للقرار العسكري والأمني. إلا أن الواقع أظهر استمرار تعدد مراكز القرار وارتباط التشكيلات العسكرية بمرجعيات مختلفة داخل المجلس وخارجه. هذا التشتت انعكس على غياب خطة عملياتية وطنية شاملة، وبقاء معظم الجبهات في حالة جمود دفاعي منذ سنوات، مع غياب أي عملية عسكرية كبرى لاستعادة مناطق رئيسية.
2- أولوية الصراعات البينية على المعركة مع الحوثيين
استهلك المجلس جزءاً كبيراً من وقته وجهده في إدارة توازنات داخلية بين مكوناته. الخلافات حول التعيينات وتوزيع الموارد وإدارة المحافظات المحررة أخذت حيزاً أكبر من النقاش حول استراتيجية المواجهة مع المليشيات. هذا الانشغال الداخلي منح الطرف الآخر مساحة لإعادة التموضع وتعزيز قدراته.
3- تراجع الأداء الحكومي والخدمي
ان المعركة مع الحوثيين ليست عسكرية فقط. فأحد أهم أسلحة الدولة هو تقديم نموذج حكم مغاير. لكن الحكومة التابعة للمجلس لم تنجح في تثبيت الاستقرار الاقتصادي. استمرار انهيار العملة، وتراجع الخدمات الأساسية، وغياب الرواتب في بعض القطاعات، أدى إلى تآكل الثقة الشعبية. عندما يفقد المواطن الشعور بالفرق بين المنطقتين، يصبح مشروع استعادة الدولة أضعف.
4- غياب مشروع سياسي وطني جامع
إلى اليوم لم يقدم المجلس رؤية واضحة لشكل الدولة ما بعد الحوثي. الخطاب السياسي ظل عاماً وتكرارياً، دون تفاصيل حول الحكم، والشراكة، ومعالجة جذور الصراع. هذا الفراغ ساهم في صعوبة حشد اصطفاف وطني واسع حول معركة التحرير، وترك المجال لخطابات أخرى تملأ الساحة.
5- تعثر إدارة الملف الخارجي
ان التعامل مع المبادرات الإقليمية والدولية تم بمنطق رد الفعل في أغلب الأحيان. لم يتم تحويل الدعم السياسي والعسكري إلى بناء قدرات مؤسية مستدامة. كما لم يتم استثمار الضغط الدولي لفرض كلفة حقيقية على استمرار انقلاب الحوثيين، ما جعل من الهدن المتكررة أداة لإطالة أمد الصراع بدل حله.
ختامآ لا يمكن اختزال اسباب تاخر الحسم في عامل واحد. لكن من غير المنطقي فصل حالة الجمود الحالية عن طبيعة إدارة مجلس القيادة الرئاسي للمرحلة. يفترض على مجلس القيادة الرئاسي مراجعة عاجلة لآليات عمله. فنحن نعلم ان المجلس الرئاسي واجه ظروفا معقدة وارثآ ثقيلا. لكنه لم ينجح في تحويل التفويض الذي حصل عليه الي إنجازات ملموسة على الأرض. استعادة الدولة تتطلب ثلاث عناصر متزامنة؛ قرار عسكري موحد، وحكومة فاعلة تكسب ثقة الناس ، ومشروع سياسي مقنع. وحتى اللحظة يبدو أن الخلل.يكمن في هذه العناصر الثلاثة وهذا مايطيل أمد الحرب ويؤجل الحسم.
والسوال الذي يطرحه الشارع اليوم ليسا عن النوايا بل عن النتائج. فإذا لم يتم معالجة أوجه القصور هذه. فاان كلفة التأخير هذه سيدفعها الوطن والمواطن اولا.
ولتجاوز حالة التأخير، يمكن تلخيص أهم المتطلبات في النقاط التالية:
1-توحيد القرار العسكري بإنشاء قيادة عمليات مشتركة وطنية بعيداً عن الولاءات المناطقية والحزبية، ووضع خطة تحرير مرحلية واضحة.
2.-إصلاح الحكومة والخدمات بإعطاء الأولوية للملف الاقتصادي والمعيشي في المناطق المحررة لكسب ثقة المواطن وتقديم نموذج دولة.
3-إطلاق مشروع سياسي بصياغة رؤية وطنية جامعة لمرحلة ما بعد الحوثي تشمل شكل الدولة والشراكة ومعالجة قضايا الصراع.
4- إدارة فاعلة للدعم الخارجي بتحويل الدعم إلى بناء مؤسسات الدولة والجيش، وربطه بأهداف محددة وقابلة للقياس.
خلاصة الأمر أن معركة استعادة الدولة لا تحتمل مزيداً من التأجيل. والمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق المجلس تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الحسم.
أضف تعليق