لماذا يغيب نكَف القبيلة اليمنية في القضايا الوطنية الجامعة…ونراه حاضراً في القضايا الشخصية

✍مكرم العزب

ما يثير الاستغراب أن يغيب نَّكْف القبلية اليمنية في أكثر القضايا الوطنية مصيرية، بينما يحضر بقوة في كثير من القضايا الشخصية أو ذات الطابع القبلي الضيق. فأين كان هذا النكف حين اجتاحت جماعة الحوثي مؤسسات الدولة، وأسقطت العاصمة، وأشعلت حربًا أودت بحياة مئات الآلاف من اليمنيين بصورة مباشرة وغير مباشرة، وزجّت بآلاف المواطنين في السجون، وانتهكت حقوق الإنسان، وأهانت شخصيات قبلية واجتماعية بارزة، وفرضت واقعًا جديدًا بقوة السلاح؟

إن هذا التساؤل لا يستهدف القبيلة بوصفها مكوّنًا اجتماعيًا أصيلًا في اليمن، وإنما يدعو إلى مراجعة دورها التاريخي والوطني، وإعادة تعريف مفهوم “النَّكْف” ليصبح دفاعًا عن الوطن والدولة وسيادة القانون، لا مجرد استجابة لقضايا فردية أو نزاعات محدودة.

فمنذ قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962، ظلت العلاقة بين القبيلة والدولة في اليمن علاقة معقدة ومليئة بالتناقضات. فبدلًا من أن تتحول القبيلة إلى رافعة لبناء الدولة الحديثة، شهدت مراحل عديدة تداخلًا بين النفوذ القبلي والسلطة السياسية، الأمر الذي أعاق، في كثير من الأحيان، قيام مؤسسات قوية قادرة على فرض سيادة القانون.
وفي السنوات الأولى للجمهورية برزت تحالفات قبلية، كان من أبرزها مؤتمر خَمِر، في ظل تقاطع الولاءات بين المشروع الجمهوري والمشروع الملكي، وهو ما انعكس سلبًا على استقرار الدولة الناشئة، وأدخل البلاد في صراعات طويلة أضعفت مؤسساتها.

ويذكر الرئيس  القاضي عبدالرحمن الإرياني في مذكراته أن نفوذ عدد من مشايخ القبائل امتد إلى مفاصل الجيش والإدارة، وأن ذلك شكّل أحد أبرز التحديات أمام بناء دولة المؤسسات. وعندما قاد الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي حركة الثالث عشر من يونيو التصحيحية، سعى إلى الحد من مراكز النفوذ التقليدية وتعزيز سلطة الدولة، غير أن مشروعه واجه مقاومة من قوى قبلية نافذة، قبل أن ينتهي باغتياله واغتيال مشروعه الوطني ، لتتعثر معه واحدة من أبرز محاولات بناء الدولة المدنية الحديثة.
وفي العقود اللاحقة، ظل الحضور القبلي مؤثرًا في القرار السياسي والعسكري بدرجات متفاوتة، واعتمدت الأنظمة المتعاقبة على التوازنات القبلية أكثر من اعتمادها على المؤسسات وكان النظام يراهن على القبيلة أوبما سمي بطود صنعاء، وعندما سيطرت جماعة الحوثي على صنعاء عام 2014، لم تستطع تلك التحالفات القبلية أو طود صنعاء حماية النظام الجمهوري أو مؤسسات الدولة، كما أن مواقف القوى القبلية تباينت بين المقاومة، والحياد، أو التحالف، وهو ما أسهم في تغيير موازين القوى على الأرض.

واليوم، وبعد أكثر من اثني عشر عامًا من الانقلاب وما خلّفه من حرب ودمار وانهيار اقتصادي وإنساني، يبرز سؤال يطرحه كثير من اليمنيين: لماذا تتعالى دعوات النكف القبلي في بعض القضايا المحدودة، بينما لم يظهر موقف قبلي جامع بالزخم نفسه دفاعًا عن الدولة والجمهورية وكرامة جميع اليمنيين؟
أليست استعادة الدولة، وحماية النظام الجمهوري، وصون كرامة الإنسان، وإطلاق سراح المعتقلين، وإنهاء معاناة ملايين المواطنين، قضايا تستحق أن تتوحد من أجلها القبائل، إلى جانب مختلف القوى الوطنية؟
إن النكف الحقيقي، في هذه المرحلة، لا ينبغي أن يكون انتصارًا لفرد أو قبيلة، بل انتصارًا للوطن بأكمله. فالدفاع عن الدولة وسيادة القانون هو أسمى صور النخوة والوفاء، لأن سقوط الدولة لا يهدد قبيلة بعينها، بل يهدد حاضر اليمن ومستقبله.
إن مستقبل اليمن لن يُبنى إلا بدولة قوية وعادلة، تحتكم إلى الدستور والقانون، وتقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وتكون القبيلة فيها شريكًا في حماية الدولة لا بديلًا عنها، وسندًا للجمهورية لا منافسًا لمؤسساتها. فالدول الحديثة لا تستقر إلا عندما تسمو الهوية الوطنية فوق الولاءات الضيقة، ويصبح الانتماء للوطن هو الجامع الأكبر لكل أبنائه…والدهر  فقيه.

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ