المظالم لا تموت…قراءة في تحولات المشهد اليمني

✍مكرم العزب

كثرت المظالم التي يتعرض لها اليمنيون في السنوات الأخيرة، واتسعت دائرة الانتهاكات على أيدي أطرافٍ كانت بالأمس ترفع شعارات الدفاع عن الحقوق والعدالة ورفع المظالم عن الناس واتخذوا من تلك المظالم وسيلة للوصول إلى الحكم في مناطق مختلفة في اليمن، فإذا بها اليوم تمارس القهر ذاته على البسطاء والمستضعفين.

فالمظالم ديون لا تسقط بالتقادم، وعجلة الزمن تدور لتسقي الظالم من الكأس نفسها التي سقى منها غيره. وما تشهده الساحة اليمنية اليوم من سقوطٍ متتالٍ لمن ظنوا أن قوتهم ونفوذهم سيدومان، ليس إلا تجسيدًا لسنن التاريخ وعدالة السماء التي لا تتخلف.

بعد حرب صيف 1994 عانت عدن ومحافظات عديدة، في الجنوب والشمال، من الإقصاء ونهب الحقوق وتهميش الكفاءات، وظن من كانوا في سدة الحكم آنذاك أن سلطانهم سيبقى إلى الأبد، لكن الحكمة اليمنية تقول:
“لو دامت لغيرك ما وصلت إليك.”
واليوم يتكرر المشهد بصورة مختلفة؛ فبعض من تسلموا زمام الأمور بعد تلك المرحلة، بدلًا من إنصاف المظلومين وبناء دولة العدالة، مارسوا المظالم نفسها، وتجاوزوا على الضعفاء والمساكين من أبناء مناطقهم ومن سائر المحافظات.
وكانت النتيجة الطبيعية أن بدأت عوامل السقوط تظهر  ووصلت حواضنهم الشعبية إلى أدنى مستوى، مصداقًا للمثل الشعبي:
“من كبّر لقمته غِصّ.”

قد يظن المتنفذ أو صاحب السلطة أن المال أو السلاح أو النفوذ كفيل بحمايته، لكنه ينسى أن دعوة المظلوم لا تضيع. وقد لخّص اليمنيون هذه الحقيقة بقولهم:
“سهم المظلوم صايب ولو بعد حين.”
ويقول المثل أيضًا:
“ظلم رعيتك خراب بنيتك.”
إن دموع الضعفاء، وقطع الأرزاق، وتهجير الناس، ونهب الممتلكات، كلها عوامل تهدم الدول وتُسقط الهيبة وتزرع بذور الانهيار. ولذلك بقي المأثور الشعبي يحذر من عواقب الجور بقوله:
“الظلم مرتعه وخيم.”

تؤكد السنن الإلهية والتجارب التاريخية أن الباطل لا يدوم، وأن الحق وإن تأخر ظهوره فإنه لا يموت. وما يشهده اليمن اليوم من تراجع بعض قوى الحرب والظلم ليس إلا نتيجة طبيعية لتراكم المظالم وتجاهل معاناة الناس.
ويقول اليمنيون:
“الباطل حباله قصيرة.”
وحين يتعاظم غرور الظالم وتجبره، يردد الناس:
“عاده قبا حجر.”
أي إن الجزاء قادم، وإن الأيام تحمل في طياتها ما يعيد التوازن ويقتص للمظلومين.
وكما سقطت أنظمة وقوى سابقة بسبب تراكم المظالم، فإن من يكرر الأخطاء نفسها دون اتعاظ يقع في المصير ذاته، وهو ما يلخصه المثل الشعبي:
“من جرب المجرب عقله مخرب.”

اخيرا إن الأوطان لا تُبنى على أنقاض حقوق الضعفاء، ولا تستقر السلطة القائمة على الخوف والقهر. فالكرسي الذي يُشيَّد فوق دموع المساكين سرعان ما ينهار على صاحبه.
إن عدالة السماء ليست أمنية يتطلع إليها الناس فحسب، بل هي سنة من سنن الحياة والتاريخ؛ فمن ظلم سيُسأل، ومن أقصى قد يُقصى، والزمن كفيل بأن يكشف الحقائق ويغربل الصفوف،ويبقى القول المأثور خير خاتمة:
“ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع.”… والدهر فقيه

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ