المثقف اليمني بين الوعي الوطني ومستنقع المناطقية

🖋 عادل الهرش

يُقال إن المثقف الحقيقي هو ذلك الإنسان الذي يوظف وعيه ومعرفته في محاربة الجهل والتعصب والكراهية، ويسهم في ترسيخ قيم التسامح والانتماء الوطني، ويعمل على تضييق مساحة الانقسام والتخلف، وتوسيع آفاق الوعي والبناء في مجتمعه. فالثقافة ليست مجرد شهادات أكاديمية أو ألقاب علمية، بل رسالة ومسؤولية أخلاقية ووطنية، تُقاس بمدى ما يقدمه المثقف لوطنه من أفكار تُوحد ولا تُفرق، وتبني ولا تهدم، وتخدم الإنسان والمجتمع قبل أي انتماء ضيق أو مصلحة عابرة.

لكن المأساة اليمنية كشفت وجهاً آخر لبعض من يُفترض أنهم يمثلون النخبة الفكرية. فقد تحولت فئة من المثقفين إلى أدوات للهدم بدلاً من البناء، وإلى وقود للصراعات بدلاً من أن تكون جسوراً للتفاهم والتقارب. وأعمت المناطقية والفئوية والعنصرية أبصار الكثير منهم، حتى غلبت الأهواء على الحقائق، وطغت الأحقاد والضغائن على المصلحة الوطنية.

عندما نعود إلى أحداث عام 2011 وما تلاها من تحولات عاصفة ألقت باليمن في أتون الأزمات والحروب والانقسامات، نجد أن جزءاً كبيراً من التحريض السياسي والإعلامي كان صادراً عن شخصيات محسوبة على الطبقة المثقفة. من دكاترة جامعات، وصحفيين، وإعلاميين، وكتّاب، وناشطين، بعضهم مستقلون، وبعضهم منضوون تحت رايات الأحزاب والتنظيمات السياسية التي كانت تتصدر المشهد آنذاك.

لقد كان من المفترض أن تكون النخب الفكرية صمام أمان للمجتمع، وأن تدعو إلى التسامح والحوار وتغليب المصلحة الوطنية، لكنها في كثير من الأحيان اختارت طريق التأجيج والاستقطاب الحاد، وساهمت في تعميق الانقسامات وإشعال الخصومات السياسية والمجتمعية. وحين انهارت مؤسسات الدولة وتفكك النسيج الوطني، لم يتوقف كثير منهم لمراجعة مواقفهم أو الاعتراف بأخطائهم، بل واصلوا السير في النهج ذاته.

والكارثة الأكبر أن هذه الظاهرة لا تزال مستمرة حتى اليوم. فهناك مثقفون داخل الشرعية يمارسون الإقصاء والتحريض وفق حسابات فئوية ومناطقية ضيقة، وآخرون اصطفوا مع العدو الحوثي وكرسوا أقلامهم وإعلامهم لخدمة مشروعه السلالي والطائفي، فيما اختار بعض المقيمين في الخارج الاستمرار في بث خطاب الكراهية وتصفية الحسابات السياسية بعيداً عن معاناة اليمنيين وآلامهم.

إن المثقف الذي يقدّم انتماءه المناطقي على وطنه، أو ولاءه الحزبي على مصلحة شعبه، يفقد جوهر رسالته الأخلاقية والثقافية. فالأمم لا تنهض بخطابات الكراهية، ولا تُبنى بالأحقاد والثارات السياسية، وإنما ترتقي بالعقول المستنيرة التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتبحث عن حلول للمشكلات بدلاً من الاستثمار فيها.

وإذا كان مثقفو اليمن لم يستوعبوا الدرس إلى الآن، ولم يراجعوا مواقفهم وخطاباتهم ومسؤولياتهم الوطنية، فلن ينتصر اليمن وتعود دولته، ولن تقوم له قائمة…

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ