المناطقية وأثرها على الفرد والمجتمع
🖋 عادل الهرش

تُعدّ المناطقية من أخطر الأمراض الاجتماعية والسياسية التي ابتُليت بها المجتمعات، لأنها لا تقوم على قيم أو مبادئ أو برامج وطنية، وإنما على التعصب الأعمى والانحياز الضيق للانتماء الجغرافي. وهي في حقيقتها شكل من أشكال الجاهلية الحديثة التي تُقسّم أبناء الوطن الواحد إلى فئات متناحرة، وتُضعف الانتماء الوطني الجامع لصالح هويات صغيرة ومحدودة.
على مستوى الفرد، تزرع المناطقية شعوراً زائفاً بالتفوق، فيعتقد البعض أن مجرد انتمائه إلى منطقة معينة يمنحه مكانة أو أفضلية على غيره، فينشأ لديه تضخم في الذات وضيق في الأفق وعجز عن تقبّل التنوع والاختلاف. كما أنها تُحوّل أي نقد أو خلاف سياسي إلى معركة شخصية، وتجعل الفرد أسيراً لأحكام مسبقة ومواقف متشنجة لا تستند إلى العقل أو المنطق.
أما على مستوى المجتمع، فإن المناطقية تمثل معول هدم للنسيج الوطني، لأنها تُغذّي الشكوك والكراهية وتُعمّق الانقسامات بين أبناء الشعب الواحد. وكلما ارتفعت أصوات التحريض المناطقي تراجعت قيم المواطنة المتساوية، وحلّت محلها ثقافة الإقصاء والثأر والانتقام. كما أن المجتمعات التي تنشغل بصراعاتها المناطقية تفقد قدرتها على البناء والتنمية، لأن طاقاتها تُستنزف في معارك داخلية عبثية بدلاً من توجيهها نحو مواجهة التحديات الحقيقية.
والمؤسف أن بعض الأصوات المحسوبة على الشرعية اليمنية وقواها السياسية وعلى رأسها حزب الإصلاح والمحسوبين عليه الذين لايزالون يعيدون إنتاج هذا الخطاب البغيض، إما بصورة مباشرة أو عبر رسائل مبطنة تستهدف التحريض بين أبناء المحافظات والمناطق المختلفة. هؤلاء لا يدركون أنهم يقدمون خدمة مجانية لأعداء اليمن وفي مقدمتهم العدو الحوثي، ويُسهمون في إضعاف الجبهة الجمهورية وتشتيت جهودها في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أعلى درجات التماسك والوحدة الوطنية. فالمناطقية لم تكن يوماً مشروع دولة، ولم تبنِ وطناً، ولم تنتصر في معركة، بل كانت دائماً بوابة للفشل والانقسام والانهيار.
وفي مقابل هذه النماذج السلبية، يبرز نموذج المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح باعتباره أحد النماذج العملية الناجحة التي جسّدت مفهوم المواطنة والشراكة الوطنية. فمنذ تأسيس المقاومة الوطنية لم يكن معيار الانتماء هو المنطقة أو المحافظة، بل الكفاءة والولاء للجمهورية والقضية الوطنية. وقد ضمت في صفوفها من أبناء المحافظات اليمنية، ونال الجميع حقوقهم وفرصهم وفقاً لقدراتهم وإسهاماتهم. وهذا النموذج يؤكد أن مستقبل اليمن لا يمكن أن يُبنى إلا على أساس المواطنة المتساوية والهوية الوطنية الجامعة، لا على العصبيات الضيقة والمشاريع المناطقية التي أثبتت فشلها وخطرها على حاضر الوطن ومستقبله….
أضف تعليق