ولا يزال الحوثي يعيش على خلافات خصومه

بقلم – عادل الهرش

لم يكن الحوثي في بداياته قوة عسكرية كبرى، ولم يكن يمتلك سلطة دولة، كما أنه لم يكن يستند إلى قاعدة شعبية واسعة تؤهله للسيطرة على العاصمة صنعاء ومعظم مناطق شمال اليمن. لكن ما امتلكه الحوثي منذ وقت مبكر هو القدرة على استغلال أخطاء خصومه وخلافاتهم، وتحويل الانقسامات السياسية والعسكرية إلى فرص استراتيجية مكّنته من التوسع والتمدد.

منذ أحداث عام 2011 دخلت القوى السياسية اليمنية في دوامة من الصراعات والخلافات الحزبية والشخصية، وانشغلت النخب السياسية بمعارك النفوذ وتقاسم السلطة أكثر من انشغالها ببناء مشروع وطني يحمي الدولة والجمهورية. وفي ظل هذا المشهد المضطرب، وجد الحوثي البيئة المثالية للتقدم خطوة بعد أخرى مستفيداً من ضعف الدولة وتفكك مراكز القرار وتضارب المصالح بين القوى المتنافسة.

وعندما اجتاح الحوثيون صنعاء في سبتمبر 2014 لم يكن ذلك نتيجة تفوقهم العسكري وحده، بل كان نتيجة مباشرة لحالة الانقسام التي ضربت مؤسسات الدولة والقوى السياسية والعسكرية. فكل طرف كان ينظر إلى خلافاته مع خصومه باعتبارها أولوية، بينما كان الحوثي ينظر إلى الجميع باعتبارهم أهدافاً مؤجلة سيأتي دورها لاحقاً.

واليوم، وبعد سنوات من الحرب، لا يزال المشهد يتكرر بصورة مختلفة. فالشرعية اليمنية تعاني من حالة ركود سياسي وإداري واضحة، كما أن الخلافات بين مكوناتها المختلفة لا تزال تلقي بظلالها على الأداء الوطني والعسكري. وفي الوقت الذي يفترض أن تتجه فيه الجهود نحو استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، تستهلك الكثير من الطاقات في صراعات جانبية وخلافات سياسية وإعلامية لا تخدم سوى الحوثي.

لقد أثبتت التجربة أن الحوثي لا يعيش بقوته الذاتية فقط، بل يعيش أيضاً على أخطاء خصومه وانقساماتهم. فكلما تراجع التنسيق بين القوى الجمهورية، وكلما تصاعدت الخلافات داخل معسكر الشرعية، ازدادت قدرة الحوثي على تثبيت سيطرته وإقناع أتباعه بأنه الطرف الأقوى والأكثر تماسكاً.

إن المعركة مع الحوثي ليست عسكرية فحسب، بل هي أيضاً معركة سياسية ووطنية تتطلب توحيد الصف الجمهوري وبناء شراكة حقيقية بين مختلف القوى المناهضة للمشروع الحوثي. فاستعادة صنعاء لن تتحقق بتعدد المشاريع المتنافسة، ولا باستمرار حالة الجمود والخصومات، وإنما بوجود قيادة سياسية فاعلة ورؤية وطنية مشتركة تضع هدف استعادة الدولة فوق كل الاعتبارات الأخرى.

الحوثي لم ينتصر لأنه الأقوى، بل لأن خصومه لم ينجحوا حتى اليوم في التحول إلى قوة وطنية موحدة بحجم التحدي الذي يواجه اليمن. وإذا استمرت حالة التشتت والركود والخلافات، فسيظل الحوثي المستفيد الأول منها، وسيبقى يعيش على انقسامات خصومه أكثر مما يعيش على قوته الذاتية….

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ