الملايين تحترق في السماء..بينما أحشاء أغلبية المجتمع تحترق جوعاً
✍مكرم العزب

في مجتمع يعاني من أزمة مالية واقتصادية حادة، ينفق البعض بمناسبة عقد القران أو الزواج أو الخطبة ملايين الريالات اليمنية على الألعاب النارية والمواد المتفجرة… فما دلالة ذلك؟
ما يثير الاستغراب حقاً أن بعض الناس بات يقيس مكانته الاجتماعية بحجم الضجيج والإنفاق المظهري، لا بحجم الخير الذي يقدمه للناس أو الأثر الإيجابي الذي يتركه في مجتمعه. فتحولت بعض الأعراس والمناسبات من لحظات فرح طبيعية إلى ساحات للتفاخر واستعراض الثراء، ولو كان ذلك على حساب قيم الرحمة والتكافل ومراعاة أوضاع المجتمع المنهك بالفقر والجوع والحرب،وكان يفترض أن يكتفي أصحاب المناسبات بالقليل من تلك الألعاب النارية التي تؤدي الغرض في الإشهار والإعلان، وفقاً لما تمليه عليهم الأعراف والقيم الأخلاقية.
إن إطلاق كميات هائلة من الألعاب النارية والمواد المتفجرة، وإنفاق الملايين عليها في مجتمع تعيش فيه أسر كثيرة تحت خط الحاجة، لا يمكن اعتباره مجرد “حرية شخصية” أو “مظاهر فرح”، لأن الإنسان يعيش داخل مجتمع له ظروفه وآلامه وأولوياته. ومن أبسط صور المسؤولية الأخلاقية أن يراعي الغني أحوال الفقراء، وأن يشعر الناس بأن ثروته مصدر نفع ورحمة لا مصدر استفزاز وتعالٍ.
كما أن هذه المظاهر لا تقتصر أضرارها على الجانب الأخلاقي فقط، بل تمتد إلى الجوانب الأمنية والنفسية؛ فالانفجارات المتواصلة تثير الخوف لدى الأطفال والمرضى وكبار السن، وتعيد إلى أذهان كثير من الناس أصوات الحرب والمعاناة التي لم يخرج اليمنيون من آثارها بعد.
وفي ثقافتنا الدينية والاجتماعية، لم يكن الفرح يوماً مرادفاً للإسراف، بل إن أجمل الأعراس وأكثرها بركة هي التي تقوم على البساطة، وصلة الرحم، وإطعام المحتاج، وإدخال السرور الحقيقي على الناس. أما التباهي المفرط بالمال، فهو غالباً انعكاس لحالة فراغ قيمي ومحاولة لإثبات المكانة بالمظاهر الخارجية.
كان الأولى بمن يملك القدرة المالية أن يخصص جزءاً من تلك الأموال لمساعدة الأسر الفقيرة، أو دعم تعليم الأيتام، أو علاج المرضى، أو حتى إقامة أعراس بسيطة تحفظ الكرامة وتخفف الضغط الاجتماعي عن الشباب محدودي الدخل، بدلاً من تكريس ثقافة مرهقة تدفع الآخرين إلى التقليد والمنافسة ولو بالاستدانة
إن المجتمعات لا تُقاس بارتفاع أصوات الانفجارات في الأعراس، بل بارتفاع مستوى الوعي والرحمة والتكافل بين أبنائها.والدهر فقيه
أضف تعليق