تحذير لورثة هادي
✍سمير رشاد اليوسفي

ليس أمراً يسيراً أن تُكلَّف بحراسة خريطةٍ تنزف، وأن تختار الجلوس في “قاعة الانتظار” بينما الخناجر تنهش جسد بلادك. في هذا الشرق الأوسط القاسي، لا يكفي أن تكون قليل الطموح لتنجو؛ فهنا، من يتردد في كتابة مصير بلده، تتقدم الميليشيات لكتابته بالدم.
طوى الموت صفحة الرئيس الأسبق عبد ربه منصور هادي في مقر إقامته بالرياض. وللموت جلاله الذي يفرض خفض الجناح والدعاء بالرحمة، لكن الأوطان لا تُشيّع قادتها بالمراثي العاطفية، فالتاريخ قاضٍ بارد لا تهزه الدموع، ولا يعترف بأعذار الجالسين على مقاعد التردد.
جاء هادي إلى القصر محمولاً على إجماع محلي ودولي نادر الحدوث، وبتفويض استثنائي للعبور من حقول الألغام نحو حلم “الدولة المدنية”؛ دولة المؤسسات والمواطنة التي دفع اليمنيون أثماناً باهظة من أجلها. لكنه، وبدلاً من القبض على دفة السفينة بشجاعة الربان وسط الأمواج العاتية، اختار سياسة “اللا قرار”. اعتقد أن الأزمات تُروَّض بالتجاهل، فكان أن ابتلعت دوامة الفوضى مؤسسات الدولة واحدة تلو الأخرى، وتُركت حواضن التنوير والجمهورية تنزف وحيدةً تحت الحصار.
الفاتورة الأبهظ لمتلازمة “اللا قرار” لم تقتصر على الداخل، بل أحدثت زلزالاً في الجغرافيا السياسية للمنطقة. إن نظرة فاحصة لمسرح البحر الأحمر تكشف حجم الانكشاف الإستراتيجي؛ فحين كُبحت عجلة الحسم في الساحل الغربي إبان “اتفاق ستوكهولم”، لم يكن ذلك تأجيلاً لمعركة، بل إبقاءً على شوكة خبيثة في خاصرة الساحل. لقد مُنحت الميليشيات فرصة البقاء في مساحات ساحلية اتخذت منها منصات لتهديد الملاحة الدولية ومضيق باب المندب، ليتحول اليمن إلى ساحة تبعث عبرها المشاريع التوسعية والميليشيات المرتهنة رسائلها الصاروخية، وأصبحت مياهنا الإقليمية ورقة ابتزاز وعسكرة ندفع ثمنها أمنياً واقتصادياً حتى اليوم.
لكن الأهم من قراءة الماضي هو توظيفه لإنقاذ ما تبقى من الخريطة. إن رحيل الرجل اليوم—وبعد أربع سنوات من تسليمه السلطة لمجلس القيادة الرئاسي—يجب ألا يمر كحدثٍ للرثاء، بل كـ “وثيقة تحذير” صارمة توضع على طاولة الورثة.
يقف مجلس القيادة الرئاسي اليوم أمام مرآة هادي. الدرس القاسي الذي يتركه الراحل هو أن الخطر الحقيقي على الدول لا يأتي فقط من طلقات الخصوم، بل من شلل القيادة. إذا كانت الحقبة السابقة قد سقطت في فخ “شلل الفرد”، فإن الخطر الداهم اليوم هو الانزلاق إلى “شلل الجماعة” والاكتفاء بإدارة التوازنات على حساب القرار السيادي الحاسم.
التقاسم التوافقي للسلطة لا يبني دولاً إذا غابت الإرادة. الأوطان لا تُستعاد بالبقاء في المنطقة الرمادية، ومشروع “الدولة المدنية” لا يُحمى بتجميد المعارك وتأجيل الاستحقاقات. إن استعادة القرار السيادي لليمن، وتأمين بحره الأحمر وجغرافيته المستباحة، تتطلب جسارةً تقطع مع إرث الانتظار؛ فالتاريخ يُنذر الجميع بأن من يرهق الوقت بالتردد.. يسبقه الوقت، وتبتلعه الخريطة.
أضف تعليق