لماذا كل هذا الحزن بوفاة حاتم
✍مكرم العزب

إن المتابع الليلة لمواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها فيسبوك، يلحظ بوضوح ازدحام صفحاتها بكلمات الرثاء والمواساة المرفقة بصور فقيد الوطن، القيادي الناصري اللواء حاتم علي أبو حاتم. وهذه الظاهرة تحمل دلالات عديدة؛ فهي ليست مجرد ردود فعل عابرة على رحيل شخصية عامة، بل تبدو أقرب إلى حالة وجدانية واسعة تعكس المكانة التي احتلها الرجل في وجدان كثير من الناس، وإيمانهم بما مثله من قيم وطنية ومبادئ صادقة. فالقيَم الوطنية الحقيقية لا تموت، حتى وإن أحاطت بها ظروف الانقسام والشتات وصخب الفوضى التي فرضتها سنوات الحرب والأزمات.
وحين يصبح الحزن سمة بارزة في مساحة واسعة من النقاشات والكتابات العامة، فإن الأمر يتجاوز الحزن على رحيل شخص بعينه؛ إنه حزن على مرحلة وقيم ومشروع وطني كان كثيرون يرون أن الراحل يمثل أحد وجوهه الباقية. إنه حزن على تراجع فكرة الدولة الجامعة أمام الانقسامات الضيقة، وعلى تآكل الأحلام التي حملتها أجيال آمنت بوطن يتسع للجميع.
ولعل كثيرين يرون في رحيل أبو حاتم فقدانًا لما تبقى من ذاكرة وطنية ارتبطت بمشروع التغيير والإصلاح الوطني، التي قادها المعلم جمال عبدالناصر في ثورة يوليو 1952، ثم حركة 13, يونيو التصحيحية بقيادة الشهيد ابراهيم الحمدي والتي كان حاتم أحد أعضائها،ثم حركة 11 أكتوبر 1978 والتي مثل حاتم أحد أهم رموزها، وبمراحل كان الأمل فيها قائماً ببناء دولة المؤسسات والقانون والتنمية، لا دولة المصالح الضيقة والنفوذ المتشظي.
ولذلك لم يكن الحزن عليه مرتبطًا بمنصب أو موقع، بل بما مثّله في نظر محبيه من ثبات على الموقف ونزاهة في السلوك وصلابة في الانتماء الوطني.
إن الحزن على فقيد الوطن حاتم أبو حاتم يمكن أن يُقرأ أيضًا بوصفه رسالة تتجاوز الرثاء ذاته؛ رسالة تدعو إلى مراجعة الذات الوطنية والحزبية، وإعادة الاعتبار لفكرة العمل العام بوصفه مسؤولية لا وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية. وهو دعوة للقيادات السياسية والحزبية إلى الاقتراب من الناس وهمومهم، والانحياز للمظلومين، والابتعاد عن تحويل الأحزاب والتنظيمات إلى أدوات لخدمة المصالح الضيقة أو المشاريع الفردية والأسرية.
وقد يكون الدرس الأهم من رحيل شخصيات تحظى بهذا القدر من المحبة أن الناس، مهما اختلفت توجهاتهم، لا يزالون يبحثون عن القدوة الصادقة، وعن الإنسان الذي تتطابق أقواله مع أفعاله، ومبادئه مع مواقفه. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما تُبنى برجال ونساء يجعلون من النزاهة والصدق والعمل من أجل الناس نهجًا ومسارًا…والدهر فقيه.
أضف تعليق