التعليم في اليمن بين تراجع الواقع وصمت المسؤولين
✍م/ تركي سلطان اللحجي

المدارس تصنع الأجيال، والجامعات تصقل تلك الأجيال وتنمّي قدراتها، وتفتح أمامها أبواب المهن والوظائف والمستقبل. فالتعليم ليس مجرد شهادة تُعلَّق على الجدران، بل هو أساس بناء الإنسان والمجتمع والدولة.
وعندما ننظر إلى واقع التعليم اليوم، نجد أن كثيراً من الطلاب يتخرجون من المدارس وهم غير مستعدين بالشكل الكافي للوصول إلى الجامعات أو المنافسة فيها. بل إن البعض يحصل على شهادة الثانوية أو غيرها، لكنها في الواقع لا تعكس مستوىً علمياً حقيقياً يؤهله للمرحلة القادمة.
وهنا تبدأ معاناة عدد كبير من الطلاب، خصوصاً بعد خوض اختبارات المفاضلة والقبول الجامعي، حيث يُفاجأ البعض بالرفض أو بعدم القدرة على اجتياز تلك الاختبارات. وهذا الأمر لا يُعتبر عيباً أو نقصاً في الطالب نفسه، بل هو انعكاس مباشر لوضع التعليم في المدارس وتراجع مسؤلية ونظام الدولة إلى الخلف.
فعندما ننتقد المدارس بسبب ضعف مخرجاتها أو بسبب أساليب التدريس فيها، لماذا لا ننتقد أيضاً تردّي أوضاع المعلمين وضعف رواتبهم وعدم توفير احتياجاتهم الأساسية؟ فالمعلم الذي لا يجد ما يكفيه للعيش، كيف نطالبه بأن يقدّم أفضل ما لديه للطالب؟
ولماذا لا يتم توجيه النقد كذلك إلى غياب دور الحكومة في معالجة مشاكل وزارة التربية والتعليم، وفي توفير المناهج الدراسية والوسائل التعليمية اللازمة للطلاب؟ فالطالب يحتاج إلى بيئة تعليمية متكاملة تشجعه على الاجتهاد والاهتمام والمذاكرة، لا أن يواجه النقص والإهمال في كل جانب.
كما أن الأنشطة الدراسية والمسابقات العلمية والثقافية بين المدارس والطلاب أصبحت ضعيفة أو شبه غائبة، رغم أنها تُعد من أهم الوسائل التي تُبرز قدرات الطلاب الحقيقية، وتكشف مستوى المدارس، وتساعد على تنمية المهارات والمواهب.
ولا يقتصر الأمر على التعليم المدرسي فقط، بل يمتد أيضاً إلى الجامعات اليمنية التي تعاني من ضعف الدعم الحكومي وعدم تلبية احتياجاتها الأساسية. فالكثير من الجامعات والكليات تفتقر إلى المعامل والتجهيزات العملية التي يحتاجها الطلاب، إضافة إلى ضعف الاهتمام بالكادر التعليمي وعدم توفير الإمكانيات التي تساعده على أداء دوره بالشكل المطلوب.
فالطالب الجامعي اليوم يحتاج إلى تعليم عملي حقيقي، وإلى معامل وتجارب وتطبيقات تساعده على اكتساب المهارة والخبرة، لا أن يكتفي بالتعليم النظري فقط.
وهناك تساؤل يطرحه كثير من الطلاب وأولياء الأمور: لماذا ما تزال رسوم الجامعات، سواء في التعليم الموازي أو النفقة الخاصة، مرتفعة كما هي، رغم الانخفاض الكبير في أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني بنسبة تقارب 45%؟
وهل ينطبق الأمر نفسه أيضاً على المدارس الخاصة وغيرها من المؤسسات التعليمية؟
فهل ما يحدث هو تقاعس من الجهات المسؤولة وعدم تنفيذ لتوجيهات وقرارات الدولة ورئيس الوزراء؟ أم أن هناك أسباباً أخرى ما تزال غائبة عن الناس؟
إن إصلاح التعليم لا يبدأ بتحميل الطالب وحده مسؤولية الفشل، بل يبدأ بإصلاح المنظومة التعليمية كاملة، بدءاً من المعلم والمدرسة، وصولاً إلى الجامعة والجهات المسؤولة عن دعم التعليم وتطويره. لأن بناء الأوطان يبدأ دائماً من بناء الإنسان.
أضف تعليق