لهذه الأسباب ما زال الوقت غير مؤاتٍ لتدوين ونشر تاريخ المقاومة بشكل منهجي وموضوعي*
مشرعة وحدنان في تعز أنموذج
✍ مكرم عبدالله العزب

من الملاحظ أنه في ذكرى تأسيس المقاومة الشعبية ضد الانقلاب الحوثي من كل عام، تتحرك أقلام بعض الناشطين والمدونين لتسجيل انطباعاتهم وذكرياتهم عمّا يتذكرونه من أدوار فردية أو جماعية، قد تكون لهم أو لغيرهم من أبناء المجتمع،وهذه الكتابات، رغم أهميتها من حيث حفظ الذاكرة الفردية، إلا أنها غالبًا ما تأتي مجتزأة، عاطفية، ومشحونة بالذاتية، مما يجعلها أقرب إلى الشهادات الشخصية منها إلى التوثيق التاريخي المنهجي،كما يعتقد الكثيرون من المتابعين لبعض تلك الكتابات في هذه الظروف أن الهدف منها تمجيد وتسويق الذات للحصول على مكاسب آنية رخيصة لا ترقى إلى مستوى التضحيات التي قدمها المقاومون الحقيقيون،كما تهدف بشكل مقصود أو غير مقصود إلى إدخال المجتمع في نقاشات جانبية تلهيهم عن استكمال الهدف الحقيقي وتشق الصفوف،وتزرع الخلافات،خدمة مجانية للانقلابين الكهنوتين وأصحاب المشاريع الصغيرة
إن كتابة تاريخ المقاومة بشكل عام، أو بشكل خاص في صبر ومديرية مشرعة وحدنان بمحافظة تعز، لا يمكن أن تتم بصورة دقيقة وموضوعية في ظل الظروف الحالية، وذلك لعدة أسباب جوهرية اهمها:
أولًا: عدم اكتمال أهداف تحرير تعز واليمن بشكل عام
فعلى مستوى المحافظة تعز ما زال الانقلابيون على أبواب مدينة تعز ،وعلى مسافة بضع كيلو مترات من المديريات المحررة في المحافطة منها مديريات صبر الثلاث، والكشف عن أي تفاصيل للأدوار التي قام بها الكثيرون في المراحل المختلفة يشكل خطورة على المقاومين أنفسهم مستقبلا أو على ذويهم في مناطق سيطرة الانقلابين، فمازال الانقلابيون يسيطرون على عدد كبير من مديريات تعز وعلى اغلب المحافظات في مناطق شمال اليمن وعلى رأسها العاصمة صنعاء..
ثانيا : غياب الاستقرار السياسي والأمني
ليس من العقل والمنطق أن يختزل تاريخ دماء سكبت وجماهير ضحت بالغالي والنفيس ليكتبه أشخاص بشكل اجتزائي و في ظروف ما تزال تعيش فيه البلاد حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على القدرة على الوصول إلى المعلومات، والتحقق منها، وإجراء مقابلات شاملة مع مختلف الأطراف. فالتاريخ لا يُكتب في أجواء مشحونة بالصراع، بل يحتاج إلى مسافة زمنية تسمح بهدوء النفوس وتراجع حدة الاستقطاب بين الفرقاء السياسيين، وغياب النزعات الحزبية والمناطقية والمذهبية.
ثالثا: استمرار تأثير الصراع على الذاكرة الجمعية
لا يزال كثير من المشاركين في أحداث المقاومة يحملون روايات متباينة، بل ومتعارضة أحيانًا مع الواقع الذي يتذكره الكثيرون، نتيجة لتأثير الانتماءات السياسية والمناطقية والعسكرية والجهوية والقروية. وهذا التباين يجعل من الصعب الوصول إلى سردية متفق عليها أو حتى قريبة من الموضوعية
رابعا: سيطرة النزعة التمجيدية أو التبريرية
تميل كثير من الكتابات الحالية إلى تمجيد الذات أو تبرير الأخطاء، وهو أمر طبيعي في سياق الصراع، لكنه يعيق أي محاولة لكتابة تاريخ نقدي يوازن بين الإنجازات والإخفاقات، ويضع الأمور في سياقها الحقيقي، فهناك من كتب مؤلفات في موضوع مقاومة صبر ومشرعة وحدنان، بشكل غير موضوعي، فذهب إلى اسطرت تلك الانتصارات وجعلها كانها خرافات واساطير، فنسبها إلى بضع نساء أو حيوانات واراد بذلك التقليل من شأن تلك الملاحم التي صنعها الرجال المقاومون في الواقع، كما ذهب البعض إلى ذكر احداث يدحضها الواقع، فقال أنه سبق تلك المقاومة تشكيل مجلس تأسيس, وبغض النظر عن ذكر بعض الأسماء التي ذكرت ودورها الفردي إلا أن الواقع والوثائق تكذب تلك الادعاءات،ولو كان هناك مجلسا تأسيسا للمقاومة قبل عملية إحراق الدبابة لظهر في حينه بمشرعة وحدنان ووفر للناس جهد تشكيل مجلس تنسيق المقاومة، وتظل تلك رواية سيصدقها ويكذبها الناس مستقبلا ولا يصح الا الصحيح
خامسا : نقص التوثيق المؤسسي
تعاني المقاومة في تعز، بما في ذلك جبهة مشرعة وحدنان، من غياب أرشفة منظمة للعمليات العسكرية، والقرارات القيادية، والتحركات الميدانية. ومع غياب هذا النوع من التوثيق، يصبح الاعتماد الأكبر على الذاكرة الفردية، وهي بطبيعتها عرضة للنسيان والتحريف.
سادسا: حساسية بعض المعلومات
هناك معلومات لا تزال ذات طابع أمني أو سياسي حساس، ولا يمكن نشرها في الوقت الراهن دون أن يترتب على ذلك أضرار أو تداعيات على أشخاص أو جهات لا تزال فاعلة في المشهد.
سابعا: عدم اكتمال الصورة التاريخية
التاريخ لا يُكتب من زاوية واحدة، بل من خلال تجميع روايات متعددة، تشمل القادة والمقاتلين، المدنيين، الضحايا، وحتى الخصوم. وحتى الآن، لا تزال هذه الصورة غير مكتملة، مما يجعل أي محاولة للتدوين الشامل عرضة للنقص أو الانحياز
مشرعة وحدنان أنموذجًا
تمثل مشرعة وحدنان واحدة من أبرز جبهات المقاومة في تعز، حيث شهدت معارك شرسة وتضحيات كبيرة. إلا أن ما كُتب عنها حتى الآن لا يتجاوز كونه شذرات متناثرة، تفتقر إلى الربط الزمني والتحليل العميق. فهذه المنطقة تحتاج إلى دراسة ميدانية موسعة، تجمع بين الشهادات الحية، والوثائق المتاحة، والتحليل العسكري والسياسي، وهو ما لا يتوفر في الوقت الراهن
خاتمة
إن الدعوة إلى تأجيل التدوين المنهجي لتاريخ المقاومة أو نشر اي تحليلات في منصات التواصل الاجتماعي لا تعني إهمال الذاكرة أو تجاهل أهمية التوثيق، بل على العكس، تعني ضرورة الحفاظ على الشهادات والوثائق، بشكل فردي والاحتفاظ به بعيدا عن النشر المجتمعي ودون التسرع في إصدار أحكام نهائية أو بناء سرديات مغلقة. فالتاريخ مسؤولية، وكتابته تتطلب شروطًا من الحياد والاكتمال لا تزال غير متوفرة اليوم.
وحتى يحين الوقت المناسب، تبقى الذاكرة مفتوحة، والشهادات قيد الجمع، والتاريخ في انتظار من يكتبه بإنصاف،وفي حال اكتمل تحرير اليمن من الكهنوتين وتوفر الظروف المؤتية، يمكن لأبناء مشرعة وحدنان وصبر أو غيرهم أن يعقدوا مؤتمرا تاريخيا لكل من تبقى من الشخصيات الفاعلة والمتزنة وباجواء منهجية و موضوعية يتم فيه كتابة تاريخ مقاومتهم بكتاب أوبوثايق صوتية ومرئية جازمة يشارك فيها كل المعنين ،وليعطوا كل من شارك في تحرير المديرية حقه،ليس لهدف الحصول على امتيازات خاصة أو السعى من اجل وظيفة أو مكافاة، أو تمجيد الأشخاص أو الكيانات السياسية؛ ولكن لأجل قطع الطريق على كل من يسعى لتزوير تاريخ نضالهم وتضحياتهم وتظهر الحقائق بدون تزييف في عصر الانترنت والتصوير والتدوين،وقد توفرت فيه الأساليب المختلفة للتوثيق …والدهر فقيه
أضف تعليق