هل نمتلك الإرادة الحقيقية لإستعادة الوطن

.
✍د./ هاني بن محمد القاسمي
الوطـن لا يُستعاد بالشعارات، ولا يُبنى على أنقاض الخلافات، بل تُعيده الإرادة الصادقة حين تتجرد من الأنانية، وتسمو فوق الجراح، وتُغلّب المصلحة العامة على نزوات السياسة ومطامع السلطة.
لـقد آن الأوان لهذا الوطن أن ينهض، ولكن قبل النهوض لا بد أن تتوافر إرادة حقيقية تؤمن أن الوطن أكبر من الجميع، وأغلى من أن يُرهَن لصراعات عبثية لا تُثمر إلا مزيدًا من التيه والانكسار.
الإرادة الحقيقية ليـست كلمة تُقال في لحظة انفعال، بل فعلٌ وطني يترجم صدق الانتماء، ويعيد للدولة هيبتها ولمؤسساتها روحها؛ فـما أكثر من يتحدثون باسم الوطن، وما أقل من يعملون لأجله.
إن استـعادة الدولة لا تتحقق بمنطق الغلبة أو الاستقواء، بل بمنطق العقل، وبروح الشراكة التي تضع الوطن فوق الجميع.
لـقد ضاع الوطن حين تعالت الأصوات على صوت العقل، وحين غُلِّبت النزعة الفئوية على الواجب الوطني، وحين أصبح الحوار ترفًا لا ضرورة، ومـا لم يُكسر هذا الجمود الفكري والسياسي، سيظل الوطن عالقًا بين مطرقة الانقسام وسندان التهاون.
إن الإرادة الحقيقية لا تنتظر الظروف لتتشكل، بل تصنعها، هي وعيٌ يتجاوز المرارات، وشجاعة تعترف بالأخطاء لتصححها، وقناعة بأن بقاء الوطن هو المصلحة العليا التي لا تعلو عليها مصلحة.
فـالدولة لا تُستعاد إلا بإرادة تملك الشجاعة لمواجهة الذات قبل مواجهة الخصوم، وتؤمن بأن البناء لا يتم إلا بالأيدي المتكاتفة، لا بالسهام المتبادلة.
لـقد تعب هذا الوطن من الوعود المؤجلة، ومن الحروب التي تُدار باسمه، ومن خطاب التخوين الذي أحرق ما تبقى من جسور التفاهم؛ آن له أن يستعيد نفسه، وأن يسمع من جديد صوت العقل الذي غُيّب طويلاً تحت ركام الكراهية والتنازع.
نـعـم؛
يمكـن استعادة الوطن، ولكـن حين تُبعث الإرادة من رماد الخلاف، وحين يُوقن الجميع أن لا منتصر في حرب الإخوة، وأن الغد لا يُكتب بالبنادق، بل بالعقول المتصالحة والقلوب التي اختارت الوطن أولاً وأخيرًا.
حـينها فـقط…
سيـعود الوطن كما كان، وسيقف على قدميه شامخًا، لأن أبناءه قرروا أخيرًا أن يحبوه أكثر مما يكرهون بعضهم.
وهـا هـو الوطن..
يرنـو بأمـل إلى أبنائه، ينتظر منهم أن يمسحوا عن جبينه غبار السنين، وأن يعيدوا للعمران نبضه، وللحياة بهجتها.
فـالوطن ليس أرضًا نرثها فحسب، بل وعد نحمله لأجيال قادمة، وهو اليوم يستلهم من إرادتنا الصادقة روحًا جديدة، ويترقب لحظة الالتقاء التي نكتبها ليس بالحبر، بل بالعزيمة التي لا تعرف الكلل، واليد الممدودة التي ترفض إلا أن تبني.
فلتكـن ختامَ كلمتنا بدايةَ فعلنا، ولنكـن جميعًا ذلك الجيل الذي اختار أن ينتصر للوطن على نفسه، فكان فيه الخـلاص.
لكن تبقى الحقيقية الجارحة والكلمة الأخيرة دائمًا للإرادة.. الإرادة التي تصنع من الألم منطلقًا، ومن الخلاف درسًا، ومن الشتات لقاءً.
أضف تعليق