المقاومة الوطنية وتأسيس الجمهورية في الواقع اليومي

بقلم الإعلامي/ منور مقبل

تمثّل الأعمال الإنسانية والخدمية التي تنهض بها الخلية الإنسانية التابعة للمقاومة الوطنية مدخلًا عمليًا لترسيخ مفهوم الدولة بوصفها كيانًا خادمًا للمواطن، لا سلطةً فوقية مفصولة عن معاناته وهمومه اليومية. إذ لا يُمكن تصور استعادة الدولة بمجرد إعلان سياسي أو نصر عسكري، ما لم يُترجم ذلك إلى أفعال ملموسة تسهم في إعادة بناء العلاقة المختلّة بين الدولة والمجتمع، وهي علاقة تآكلت بفعل الحرب والانقسام وفقدان الثقة.

الأعمال الإنسانية والخدمات التي تقوم بها الخلية الإنسانية تمثل تجلّيًا ميدانيًا لفكرة الدولة في أنبل صورها، إذ لا يقتصر دورها على تلبية الاحتياجات العاجلة للمواطن فحسب، بل تمتد وظيفتها إلى إعادة تأسيس لعملية استعادة مؤسسات الدولة وتثبيت أركان النظام الجمهوري في الضمير الجمعي.

لا يقاس نـشاط الخلية الإنسانية بحجم المساعدات المقدَّمة أو عدد المشاريع المنجزة، وإنما بما تخلقه من حضور ملموس للدولة في حياة الناس. فالمواطن الذي يلمس أثر العمل الخدمي في تفاصيله اليومية لا يعود محايدًا في موقفه من مفهوم الدولة، بل يتحوّل إلى شريك واعٍ في مشروعها العام، وهذا التحوّل في الإدراك الجمعي يشكّل أحد أهم مرتكزات تثبيت الشرعية الوطنية. من هنا يمكننا القول، بأن: ما تقوم به الخلية الإنسانية يتجاوز دائرة الإغاثة إلى نطاق أشمل، يتمثّل في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن من جهة، وتجسير الفجوة التي خلفها غياب المؤسسات من جهة أخرى.

اليوم، وفي ظل الأوضاع التي يعيشها المواطن اليمني، تُقدّم الخلية نموذجًا تطبيقيًا لوظيفة الدولة في لحظة غيابها أو انكفائها، وتمارس مسؤوليات الرعاية الاجتماعية، وتعيد تفعيل منظومة الخدمات الأساسية في مناطق حرمتها الحرب من أبسط مظاهر الحياة…إعادة فتح المدارس والمستشفيات، وترميم شبكات الكهرباء والمياه، وتمكين الناس من الحد الأدنى من الكرامة، لا يُمثّل مجرد جهد إداري طارئ للخلية الإنسانية والمقاومة الوطنية، بل هو فعل سيادي يعيد حضور الدولة في الوعي الجمعي، ويؤسس لشرعية مستمدة من الفعل لا من الخطاب والوعود الزائفة.

حين تُبادر المقاومة الوطنية إلى بناء المدارس، أو فتح الطرق، أو تشغيل المرافق العامة، فهي تمارس شكلاً متقدّمًا من السيادة الفعلية، وتعلن عبر أفعالها أن الجمهورية ليست مجرد نظام سياسي، بل نمط حياة تُصاغ عبر العمل والخدمة والانتماء. من هنا، تغدو هذه الأنشطة بمثابة إعلان غير مباشر عن انتصار المشروع الجمهوري على مشروع الفوضى والتفكك والتسلّط الطائفي.

تُمثّل الخلية الإنسانية أداة استراتيجية للمقاومة الوطنية لا تقل أهمية عن الآليات العسكرية أو الأدوات السياسية. إذ أن المعركة من أجل الجمهورية لا تُخاض فقط بالبندقية، بل تُخاض أيضًا عبر إعادة الاعتبار للإنسان وتكريمه بخدمات تحفظ له كرامته، وتُعيد له الإحساس بأن الدولة لا تقتصر على المركز، بل تبدأ من حاجاته اليومية. بهذا المعنى، تتحوّل الخلية إلى وسيط بين الواقع والمشروع، بين التطلعات الوطنية والفعل الميداني، بين الدولة كمفهوم والدولة كممارسة. وبهذا المعنى، تغدو الأعمال الخدمية التي تُنفذها المقاومة الوطنية اليوم أشبه بجبهة موازية، لا تقل أهمية عن خط النار، بل تتكامل معه لتشكيل صورة متكاملة لمشروع وطني تحرري جامع.

إذا كان التحدي الأكبر لأي مشروع وطني يتمثل في قدرته على التحوّل إلى تجربة معيشة تترسّخ في وجدان الناس، فإن الخلية الإنسانية، بكل ما تقوم به من أعمال حيوية، تمهّد الأرضية لولادة هذا الوجدان، وتُسهم في بناء ذاكرة جمعية ترى في الجمهورية كيانًا حاميًا وفاعلًا ومنتجًا. وبذلك تزرع بذور الدولة الممكنة، وتربط بين النصر العسكري والنصر المدني، بين المقاومة كموقف والمقاومة كقدرة على البناء والإدارة وإعادة الأمل.

تكمن الأهمية السياسية والرمزية في أداء الخلية الإنسانية، في قدرتها على انتاج سردية جديدة عن الدولة، تُبنى من أسفل، وتترسخ في التفاصيل، وتجعل من الجمهورية مشروعًا معاشًا، لا مجرد ذكرى مؤجلة أو شعار في اللافتات. وعندما يقف المواطن في طابور للحصول على مياه نقية، أو يرسل طفله إلى مدرسة أعيد ترميمها، أو يتلقى دواءً مجانًا من وحدة طبية متنقلة، فإنه لا يستعيد فقط حقه الطبيعي، بل يعيد ربط نفسه بفكرة الدولة كإطار للحماية والعدالة والكرامة.

إن المراهنة على التنمية المحلية والعدالة في توزيع الخدمات، لا تقتصر على تحقيق الإنجاز الميداني، بل تتعداه إلى إنتاج شعور جمعي بالانتماء والجدوى، يعيد للجمهورية عمقها الاجتماعي ومشروعها الأخلاقي. فالدولة لا تكتمل بهياكلها الأمنية أو بنياتها القانونية، وإنما بقدرتها على إقناع مواطنيها بأنها تستحق الدفاع عنها والانتماء إليها. ومن هنا، فإن كل مشروع يتم تنفيذه، وكل خدمة تصل إلى منطقة نائية، هو إعلان متجدد عن حضور الجمهورية في وجدان الناس.

بهذا الأداء، تصبح الخلية الإنسانية وجهًا مدنيًا للجمهورية المنشودة، تُدير السياسة بالماء والدواء والتعليم، وتُعيد تعريف الوطنية كعلاقة محبة ورعاية، لا كخضوع قسري أو إملاء فوقي. وهذه هي المعركة الحقيقية التي تخاض بهدوء، بعيدًا عن ضجيج البنادق: معركة بناء الشرعية عبر الفعل، وترسيخ الدولة من خلال الخدمة، واستعادة اليمني إلى وطنه عبر تحسين يومه، لا انتظار غده. ومن هنا، لا يمكن فصل هذه الجهود عن السياق الأكبر لاستعادة الدولة، لأنها ليست امتدادًا لها فحسب، بل نواتها الأولى ومبررها الأعمق.

باختصار، النشاط الإنساني والخدمي للمقاومة الوطنية لا يمكن عزله عن المسار الاستراتيجي لاستعادة الدولة، فهو ركيزته الأساسية، وجسره الأخلاقي نحو المستقبل، وأحد مكوّنات معادلة النصر التي تُعيد الاعتبار للمواطن بوصفه مركز المشروع الوطني وغايته في آن واحد.

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ