حين تتحول المدينة إلى حزب…تعز وظاهرة التسييس الممنهج

بقلم الإعلامي/ منور مقبل

في تعز، المدينة التي طالما ارتبط اسمها في المخيال اليمني والعربي بالتنوير والمدنية والانفتاح المعرفي، لا تبدو الإشكالية الراهنة مقتصرة على ما هو ظاهر من حصار وقصف واشتباك ميداني، بل تستبطن طبقات أعمق من التحلل البنيوي الذي أصاب منظوماتها الحيوية جرّاء تسييس مفرط طال كل شيء، بدءًا من المدرسة وانتهاءً بعلاقات الناس اليومية في أسواقهم ومؤسساتهم ومجالسهم. هنا، تحوّلت الفكرة من كونها وسيلةً للفهم والتطوير، إلى أداة للمفاضلة والفرز، واستُبدل النقاش الحرّ بالموقف المسبق، وأُغلق المجال العام أمام التعددية الفعلية لصالح مشهد دلالي مسيّج بالولاء.

أُقحم التعليم في تعز في صراع الرموز، فضعف الأداء التربوي لم يكن نتاج نقص في الإمكانات وحده، بل وليد منظومة قيمية موازية استُحضرت لتأطير البيئة التعليمية ضمن رؤية حزبية ضيقة. المدير يُعيَّن بناءً على تقاطعات الانتماء، والمعلم يُراقب ليس لأنه يخلّ بواجبه، بل لأن انتماءه السياسي ليس على الموجة المناسبة. الطالب، في مدرسته، لا يتلقى مادة علمية فحسب، بل يُعرّض لصوتٍ مؤدلج يوجه نظره إلى وجهة واحدة، ويطالبه أن يقرأ تاريخه وهويته ودولته المستقبلية بمنظار مسيس. حتى الجدارات السلوكية أصبحت مرتبطة بالموقف لا بالقيمة، وصارت التوصية في ملف الطالب أحياناً مرآة غير مرئية لموقع أسرته في خارطة الصراع.

وفي الجامعة، انكشفت واحدة من أعمق أزمات الوعي الجمعي حين تحوّل الحرم الجامعي إلى ساحة استقطاب سياسي أكثر منه فضاءً للبحث العلمي. الاتحادات الطلابية باتت أدوات لتكريس السيطرة لا منصات لتداول الأفكار، والخطاب الأكاديمي حُصِر في القوالب الآمنة التي لا تُغضب الجهة الراعية، وإنْ كانت هذه القوالب خواءً معرفياً. الأستاذ الجامعي نأى عن دوره الجوهري بوصفه محركًا للفهم والتفكير، لأن السقف أصبح معلومًا، والتعبير محفوفاً بتأويلات قد تطاله في لقمة عيشه أو في أمنه الشخصي.

أما الإعلام، فحالته لا تقل بؤسًا، إذ تحوّلت صحف وقنوات ومواقع في تعز إلى منصات حزبية تنقل الواقع من خلال مرآة مكسورة: جزءٌ مكبر، وآخر مخفي. المدينة التي كانت يومًا تسعى لتقديم نموذج في التغطية النقدية والصوت الجمعي، صارت رهينة خطاب تقسيمي يشتغل على التأليب لا الفهم، وعلى إثبات الصواب الحزبي لا كشف الإخفاقات. الإعلامي لم يعد ناقلًا، بل صانعًا للصورة المطلوبة، ومستشارًا في تزييف الحقائق بما يتماشى مع اللغة السياسية التي تحكم تمويل الوسيلة وتقرير بقائها أو أفولها.

التسييس في تعز لم يترك الأمر عند حدود التعليم أو الإعلام، بل توغل في الحياة الاجتماعية ذاتها. العلاقات بين الأسر، بين الجيران، بين زملاء العمل، باتت في كثير من الأحيان مشروطة بالانتماء. تُعقَد التحالفات الشخصية على أساس الموقع في الخارطة الحزبية، وتنهار صداقات أو شراكات لمجرد اختلافٍ سياسي في الرؤية أو الانتماء. تحوّل الانتماء السياسي إلى معيار أخلاقي، وصارت الأسئلة عن العدالة والمواطنة والخدمة العامة ثانوية أمام المسألة الجوهرية: هل أنت معنا أم ضدنا.

في الحياة الاجتماعية، تغلغل التسييس إلى الحد الذي تُمزّق فيه الأنسجة المجتمعية بصمت، إذ يُقيم الناس علاقاتهم على مستوى القرب والبعد من دوائر الولاء، وتُنسج التحالفات العائلية أحيانًا بناءً على الطيف الحزبي، وتُحسم الخلافات بين الجيران بتدخلات من خارج الفضاء المدني المعتاد. لم تعد المجالس تحسم بالنقاش بل بالاستقطاب، حتى الزفاف والعزاء لم ينجُ من تصنيفات “من معنا” و”من ضدنا”، وصار كل صوت محايد عرضةً للتخوين أو للاتهام بالجبن أو بالتقلب.

أسوأ ما خلّفته هذه البنية هو شعور جيل من الشباب بأن مستقبلهم لا يُبنى في ضوء مواهبهم، بل في ظل الجهة التي اختاروها أو اختارها عنهم الواقع المفروض. لم تعد الكلية وجهة لتصعيد الذات، بل محطة انتظار لحالة تموضع داخل شبكة الولاءات، ولم يعد العمل حلمًا مشروعًا يُدرك بالتأهيل، بل تذكرة تُمنح بالمحاباة. هذا التلاعب المنظم بالمصائر جعل من الانخراط في الحزب شرطًا للبقاء، ومن الكفاءة مجرد ترف لا يشتري الاعتراف.

تعز لم تُخنق بالسلاح فحسب، بل بالخطاب. أُعيد تأويل مدنيتها لتصبح نسخة حزبية منقحة، وفُصلت الحياة اليومية على مقاس التحيّز، فأُنتج فيها مجتمع يعيش على إيقاع الاستثناء، لا القاعدة، وعلى مقياس الرضا السياسي، لا الاستحقاق الإنساني. لهذا فإن تعافي المدينة لا يمر عبر تفاهمات فوقية بين الفاعلين، بل عبر مشروع عميق يعيد تحرير الوعي من القبضة الرمزية، ويستعيد وظيفة المدرسة، ومعنى الجامعة، وشرف المهنة، ويمنح للشباب أسبابًا جديدة للإيمان بالوطن، لا للانكفاء عنه. لأن الدولة لا تنبع من الصناديق وحدها، بل من وعي لا يُختزل في الراية، ولا يُشترى بالامتثال.

الشباب في تعز، الذين كانوا عماد الحراك المدني والطلابي والثقافي، وجدوا أنفسهم أمام بوابة محكمة الإغلاق: لا عمل بلا انتماء، لا فرصة بلا بطاقة ترضى عنها الشبكة، لا ترقٍّ في الوظيفة العامة دون عبور امتحان الولاء الضمني.

الكثير من الكفاءات انسحبت من المشهد أو هاجرت أو احترقت داخليًا لأن المعايير لم تعد ترتكز على الخبرة ولا على الطموح المشروع، بل على امتثال الخطاب وملاءمة السلوك، لا مع الضمير، بل مع السلطة السياسية المحلية.

هذه الممارسات ألقت بظلالها الثقيلة على وعي المدينة ككل، فاندثرت في الخطاب العام مفردات المواطنة المتساوية، والخدمة العامة، والنقاش المفتوح، واستُبدلت بأخرى تتحدث عن الأحقية الإلهية للحزب، وعن “حصانة الثورة” أو “مشروعية التمثيل”، وهي عبارات لا تخدم إلا إنتاج صورة مقلوبة للسلطة تجعل من الحاكم ممثلاً عن الحقيقة، ومن المعارض عدوًا لها.

ولأن هذا التسييس المفرط في تعز لم يأتِ من فراغ، بل بُني على سياق من الضعف المؤسسي والانكشاف الاجتماعي، فإن مقاومته لن تكون عبر الدعوة إلى الحياد وحده، بل تبدأ بإعادة تعريف المعنى: أن نُعيد للمدرسة وظيفتها التربوية، أن نسترد من الجامعة مركزيتها في تكوين النخبة على أساس المعرفة، أن نُحرر الإعلام من خطاب التعبئة، أن نُخرِج الخدمة العامة من قيود المبايعة السياسية. هذه ليست مجرد أمنيات، بل مقدمات ضرورية لتأسيس أفق جديد يمكن فيه للناس أن يتنفسوا دون شرط، وللشباب أن يجرّبوا بناء الحياة دون إذن، وللمستقبل أن يكون مشتركًا لا مملوكًا لمن صدّق أن السيطرة تُعطي حقًا في إعادة رسم مصائر الآخرين. التعافي يبدأ من الوعي، لا من التسويات الهشة، ومن جرأة القول قبل أدوات التفاوض، ومن الإصرار على الحياة رغم الموت الرمزي الذي أرادوا لنا أن نؤمن أنه قدر لا يُرد.

المدينة التي كانت يومًا منارة للفكر، لا يمكن أن تستعيد مكانتها إن لم تُحرَّر من هذا العبث الرمزي الذي صادر كل شيء، من المدرسة إلى المسرح، ومن الصحيفة إلى المبادرة المدنية. لا يمكن أن تُبنى تعز من جديد إن لم يُكسر هذا الحصار غير المرئي الذي يمنع الناس من أن يكونوا أكثر من مجرد أرقام في معادلة الولاء. التعافي يبدأ حين يُعاد الاعتبار للكفاءة، حين يُمنح المثقف حقه في أن يكون مستقلاً، حين يُسمح للمبادرات بأن تنطلق دون إذن، حين يعود الحلم إلى المدينة التي أُريد لها أن تنسى كيف تحلم.

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ