الولاية خرافة تاريخية بلباس ديني
بقلم الإعلامي/ منور مقبل

يوم الولاية في اليمن ليس مجرد مناسبة تُحيي ذكرى تاريخية مفترضة، بل هو أداة سياسية تُوظَّف لإعادة تشكيل الإدراك العام بحيث يصبح الحكم الوراثي مشروعًا مقدسًا لا يقبل المساءلة. هذه الفكرة، وإن تم تقديمها بلباس ديني، إلا أنها في جوهرها امتدادٌ لنموذج سياسي يستخدم الدين كغطاء لتكريس الهيمنة السلالية وإعادة إنتاج النظام الاستبدادي.
وإذا ما نظرنا إلى السياقات التاريخية، نجد أن الأنظمة التي اعتمدت على التفويض الديني لإضفاء الشرعية على الحكم لم تفعل ذلك بوصفه خيارًا روحانيًا عقائديا فقط، وإنما كوسيلة لضبط المجال السياسي بحيث يُصبح الولاء للحاكم وإن بغاء وظلم وقهر طاعة دينية، وليس مجرد التزام سياسي. هذا النموذج السلالي العنصري ساد في أوروبا خلال العصور الوسطى، حيث كان الملوك يُقدَّمون بوصفهم ظل الله على الأرض، وكان أي اعتراض على السلطة يُعتبر خروجًا عن الإرادة الإلهية. وفي إيران الصفوية، لم يكن الحكم مجرد إدارة سياسية، بل كان هيمنةً دينية تُعيد تصميم الدولة بحيث تُصبح خادمة للمذهب الحاكم، وليس إطارًا يمثل كل المواطنين.
اليوم، يُعاد إنتاج هذا النموذج في اليمن عبر الاحتفال بيوم خرافة الولاية، حيث يتم تقديمه كمناسبة كإعلان سياسي مصبوغ بنكهة عقدية باطلة، بأن السلطة يجب أن تبقى في يد هذه السلالة، وليس كمجال يُتاح لجميع اليمنيين وفق مبدأ المواطنة المتساوية.
إن خطورة هذه الفكرة تمتد إلى هندسة المجتمع اليمني بحيث يكون الفرد مُجبَرًا على قبول فكرة التفوق السلالي بوصفها حقيقة دينية، لا مجرد فكرة عصبية مذنبوذه دينيا وإنسانيا. وهنا، يتحول التاريخ من كونه مادة تحليلية إلى أداة للسيطرة، بحيث يتم انتقاء أحداث معينة، وإعادة تفسيرها بما تخدم مشروع الهيمنة، ويتم تجاهل الوقائع والدلائل الدينية التي تناقض هذا التصور. وهذا يُعيدنا إلى تحليلات المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد حول الاستعمار الثقافي، الذي يستخدم الرواية التاريخية لخلق واقع جديد، ويُصبح فيه القهر جزءًا من هوية المجتمع، بدلًا من أن يكون حالة قابلة للنقد والتغيير.
إن فكرة الولاية كما تُمارَس اليوم في اليمن تُعيد إنتاج نمط الحكم السلطوي الذي يُعيد تصميم الدولة بحيث تكون مُسخَّرة لخدمة السلالة، وليس لخدمة الشعب. هذا النموذج لا يقتصر على تحييد المنافسة السياسية، بل يعمل على إعادة تشكيل الهوية الوطنية بحيث يصبح اليمني العادي مجرد تابعٍ للنظام السياسي الوراثي، لا مواطنًا كامل الحقوق. وهكذا، يتحول اليمنيون إلى رعايا داخل وطنهم، ولا يكون لهم الحق في تقرير مصيرهم، بل يُفرض عليهم نموذج الحكم بوصفه قدرًا دينيًا لا يمكن تجاوزه.
لكن التناقض الأكبر في سردية يوم الولاية يكمن في حقيقة أن الدولة الحديثة قائمة على فكرة السيادة الشعبية، لا على التفويض السماوي. في الفكر السياسي الحديث، كما يُوضحه جون لوك، فإن الحكم ليس امتيازًا يُمنح لفئة محددة، بل عقد اجتماعي يُوقِّعه المواطنون لضمان إدارة الدولة وفقًا لاحتياجاتهم السياسية والاقتصادية. أما في نظرية كارل شميت حول السيادة، فإن أي نظام سياسي لا يُحدد بوضوح من هو صاحب الشرعية الحقيقية، يُصبح هشًا ومعرّضًا للانهيار الداخلي. وهنا، يكون الاحتفال بيوم الولاية جزءًا من محاولة إعادة تعريف السيادة بحيث لا تكون للشعب، بل للسلالة التي ترى نفسها فوق الدولة نفسها.
على المستوى الاجتماعي، فإن يوم الولاية ليس سوى طقس سياسي يُفرض على المواطنين لشرعنة النظام السلالي، ويُعاد إنتاج الطاعة الجماعية من خلال تقديم الهيمنة بوصفها مسؤولية دينية. هذا النموذج السلطوي يعتمد على ممارسة من خلال إعادة تشكيل الإدراك العام بحيث يصبح القهر مقبولًا، بل ومرغوبًا من قبل الجماهير.
في هذا السياق، لا يكون الاحتفال بيوم الولاية مجرد مناسبة تقليدية، وإنما عملية ممنهجة لتطبيع فكرة الحكم الوراثي، وتحويلها إلى جزء من الهوية السياسية اليمنية، بحيث يُصبح التفكير خارج هذا النموذج مستحيلًا أو غير شرعي.
إذا أخذنا نموذج الثورة الفرنسية كمثالٍ على تفكيك فكرة “الحكم بالتفويض السماوي”، نجد أن أهم ما قامت به هذه الثورة هو تحرير المجال السياسي من سلطة الدين، بحيث أصبح الحكم مسألة شعبية تُدار وفق الإرادة العامة، لا وفق امتيازاتٍ تاريخية تُورَّث دون مساءلة. هذا التحول لم يكن مجرد تغييرٍ في القوانين، بل إعادة تعريف كاملة لمفهوم الشرعية السياسية، حيث لم يعد الحاكم يُقدَّم بوصفه ممثلًا للسماء، بل بوصفه مسؤولًا أمام الشعب الذي يملك الحق في عزله ومحاسبته. واليوم، فإن أي محاولة لإعادة فرض نموذج الولاية تُشكل نكوصًا عن هذا المفهوم، وعودةً إلى نظامٍ لا يعترف بمبدأ التمثيل الشعبي، بل يقوم على إعادة إنتاج السلطة ضمن دائرة مغلقة لا يُسمح للغالبية بدخولها.
وهكذا، فإن يوم الولاية في الحقيقة حدث سياسي يُستخدم لإعادة تدوير النموذج السلطوي، وتقديم الحكم الوراثي بوصفه جزءًا من البنية السياسية والدينية للدولة. وإذا لم يتم تفكيك هذه السردية، فإن اليمن سيظل في دائرةٍ مُغلقةٍ تُمنع فيها أي إمكانية لتطور سياسيٍ حقيقي، لأن النظام السياسي سيبقى مرهونًا بالخرافة، لا بالعقد الاجتماعي الذي يقوم على مشاركة الجميع في إدارة الدولة.
أضف تعليق