اتفاق ستوكهولم … بين مساعي السلام ومكاسب القوة

بقلم الإعلامي/ منور مقبل

في أواخر عام 2018، كان العالم يترقّب انفراجًا سياسيًا في الأزمة اليمنية، بعدما نجحت جهود الوساطة الدولية في جمع الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي إلى طاولة المفاوضات في العاصمة السويدية ستوكهولم. الاتفاق الذي خرج إلى العلن حينها لم يكن مجرد وقفٍ لإطلاق النار، بل محاولةٌ لإعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي عبر تحييد بعض المناطق الاستراتيجية، وعلى رأسها ميناء الحديدة الحيوي، الذي يشكّل شريانًا رئيسيًا يربط اليمن بالخارج عبر البحر الأحمر.

لكن ما حدث لم يكن كما رسمته التوقعات، إذ سرعان ما تحوّلت بنود الاتفاق إلى أدواتٍ جديدةٍ مكّنت الحوثيين من تعزيز نفوذهم بدلًا من تقويض قدراتهم العسكرية. السفير البريطاني الأسبق لدى اليمن، إدموند فيتون براون، كشف في حديثٍ إعلاميٍّ عن تفاصيل هذا التحوّل، حيث أشار إلى أن الاتفاق وفّر للجماعة أوراقًا إضافيةً للمناورة، ورفع سقف تهديداتها للممرات المائية الدولية، مما أتاح لها فرصًا جديدةً لابتزاز المجتمع الدولي، الذي كان يبحث عن حلٍّ سياسيٍّ دون أن يدرك أن التسوية قد تتحوّل إلى مكاسبٍ عسكريةٍ للطرف الأكثر قدرةً على التلاعب ببنودها.

الحديدة، التي كان يُفترض أن تكون مساحةً محايدةً تُشرف عليها الأمم المتحدة لضمان عدم استخدامها في الصراع، بقيت فعليًا تحت سيطرة الحوثيين، فأصبحت نقطة ارتكازٍ جديدةً سمحت لهم بتوسيع نفوذهم الإقليمي، مما عزّز من مكانتهم العسكرية بدلًا من تقليصها. الاتفاق، الذي رُوّج له بوصفه خطوةً نحو السلام، أتاح للجماعة فرصةً لإعادة ترتيب صفوفها، وهو ما جعل بعض الأصوات السياسية ترى في ستوكهولم تحوّلًا استراتيجيًا أفاد طرفًا واحدًا بدلًا من أن يضمن استقرارًا متوازنًا بين الفرقاء.

لكن ما يزيد المشهد تعقيدًا هو الدور الذي لعبته بعض المنظمات الدولية، حيث أشار براون إلى وجود ضغوطٍ مارستها جهاتٌ، من بينها “أوكسفام”، ضمن ما سماه “اللوبي الإنساني”، الذي حرص على تخفيف القيود المفروضة على الحوثيين، مما ساهم في إخراجهم من مأزقهم العسكري. هذه التدخلات، التي جرت تحت شعار تخفيف المعاناة الإنسانية، أدّت فعليًا إلى منح الجماعة غطاءً سياسيًا مكّنها من تجنّب الضغوط الدولية، وأعاد ترتيب موازين الصراع بطريقةٍ تخالف روح الاتفاق الذي وُقّع في السويد.

اليوم، وبعد مرور سنواتٍ على توقيع ستوكهولم، تبدو تداعياته أكثر وضوحًا، فبدلًا من أن يكون مدخلًا لإنهاء الحرب، تحوّل إلى نقطةٍ جديدةٍ لصراع النفوذ، مما يطرح تساؤلاتٍ عن طبيعة الوساطات الدولية، وكيف يُمكن لاتفاقٍ يُفترض أن يحقق الاستقرار أن يُصبح أداةً لتعزيز موقع أحد أطراف النزاع. في ظل هذه الصورة، يبقى اليمن عالقًا بين طموحات السياسة ومصالح القوى المتنازعة، فيما تستمر المعاناة الإنسانية دون أن تجد لها طريقًا للخلاص الحقيقي.

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ