العمل الإنساني بين المثالية الزائفة والتربص الممنهج

بقلم الإعلامي /منور مقبل

في بيئةٍ تعاني من الأزمات المتلاحقة، يصبح العمل الإنساني ضرورةً لا تُقاس فقط بحجم المساعدات التي تُقدَّم، بل بمدى استجابة المجتمع لحاجات الفئات الأكثر تضررًا، حيث يُفترض أن يكون الفعل الخيري مساحةً مستقلةً عن النزاعات التي تُعيد تشكيل المشهد العام وفق مصالح القوى المختلفة. غير أن الواقع اليمني أفرز ديناميكيةً معقدةً تُحاصر النشاطات التطوعية داخل مناخٍ من الشك والاتهام، مما جعل الفعل الإنساني عُرضةً للتأويلات التي تُفرغه من جوهره الأخلاقي، وتُعيد تعريفه ضمن سياقاتٍ تُحوّله من استجابةٍ لحاجاتٍ ضروريةٍ إلى مساحةٍ يُوظَّف فيها النقد بطريقةٍ تُضعف تأثيره الفعلي على الفئات المحتاجة.

ما كان يُفترض أن يكون مجالًا لتكريس التضامن الاجتماعي، تحوّل إلى ساحةٍ يُدار فيها التشكيك بأسلوبٍ لا يُنتج وعيًا نقديًا حقيقيًا يُسهم في تعزيز نزاهة العمل الخيري، بل يُفرز خطابًا مُثبِّطًا يُجرّد الفعل الإنساني من رمزيته، ويُعيد تشكيله كجزءٍ من التوترات التي تُضعف روح التكافل داخل المجتمع. هذا التشكيك لم يكن نابعًا دائمًا من حرصٍ على تصحيح مسار العمل الإنساني، بل جاء نتيجة تحولاتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ جعلت النشاطات التطوعية محل استهدافٍ مستمرٍ، حيث لم يعد التقييم يُطرح بناءً على حجم التأثير الفعلي للمبادرات، بل أصبح يخضع لاعتباراتٍ تُسلط الضوء على النوايا بدلاً من النتائج، مما أدى إلى إعادة تعريف الفعل الخيري بطريقةٍ تُقيّده أكثر مما تُسهم في استمراريته.

التربص بالمبادرات الإنسانية لا يتحرك دائمًا وفق مقارباتٍ تهدف إلى تحسين الأداء، بل يظهر في كثيرٍ من الأحيان كجزءٍ من حساباتٍ تُريد تحجيم القائمين على العمل التطوعي، وحرمانهم من أي رصيدٍ معنويٍّ يعود عليهم نتيجة جهودهم في سدّ احتياجات المجتمع، مما يُعيد تشكيل العلاقة بين الفعل الخيري والجمهور بطريقةٍ تُضعف فرص استمرار النشاطات الإنسانية في بيئةٍ تحتاج إلى المزيد من الدعم لا إلى مزيدٍ من العراقيل.

في هذا السياق، يظهر استثمار التشكيك كأداةٍ ذات أبعادٍ سياسيةٍ، حيث تُستخدم حملات التشكيك بشكلٍ مقلوبٍ يُعيد إنتاج الاتهام الذي يُوجّه عادةً للممولين، ليتم تطبيقه على القائمين على المبادرات الإنسانية، فتُقدَّم هذه النشاطات وكأنها مشاريع تُدار وفق مصالحٍ خفيةٍ، بينما لا تُطرح أي بدائلٍ تعوض غياب الدعم الرسمي للفئات الأكثر تضررًا. هذه الآلية تُعيد ترتيب المشهد بطريقةٍ تُضعف التضامن الاجتماعي، وتُسهم في ترك الفئات المحتاجة بدون أي سندٍ حقيقيٍّ، مما يجعل تأثيرها يتجاوز حدود العمل الإنساني ليصل إلى إعادة تشكيل الثقافة المجتمعية ضمن تصورٍ يُضعف أي محاولةٍ لتعزيز التفاعل الإيجابي داخل المجتمع.

لا يُقاس تعافي المجتمعات في الأزمات فقط بمدى قوة المؤسسات الرسمية، بل بقدرتها على ترسيخ ثقافةٍ تعزز التكافل الاجتماعي، وتُعيد الاعتبار للنشاطات الخيرية ضمن تصورٍ يُحافظ على نزاهتها دون أن يُقوضها عبر حملاتٍ لا تُقدم بدائل، بل تكتفي بالتربص والتشكيك. تحويل هذا المجال إلى مساحةٍ مُستباحةٍ للنزاعات يُهدد التضامن بأشكاله المختلفة، مما يجعل إعادة النظر في طريقة التعامل مع العمل الإنساني ضرورةً تُعيد تعريف الفعل التطوعي وفق رؤيةٍ تُحرّره من أن يكون جزءًا من معادلةٍ تُستخدم لإضعافه أكثر مما تُسهم في تحسينه.

المجتمع اليمني لا يحتاج إلى مزيدٍ من التوجس، بل إلى رؤيةٍ تُعيد للخير مكانته دون أن يكون عالقًا بين التأويلات التي تُعيد صياغته وفق اعتباراتٍ تُفرغه من محتواه الحقيقي.

أخيرًا : ثمة حديث أثير للنبي محمد وهو يقول: ” لا تحقِرن من المعروف شئيًا ولو أن تلق أخاك بوجه طلق” حضر هذا الحديث بذهني وأنا أتابع موجة الردح ضد حملات التبرع اللامحدودة للخلية الإنسانية التابعة للمقاومة الوطنية الذي وجه بتنفيذها العميد، طارق صالح، ولم أفهم لم كل هذه النقمة ضد سلوك نبيل وطبيعي كان يُفترض أن يتلقى الإشادة وليس عدواة منفلتة وتحقير عبثي للفعل، كتلك التي رافقت الإعلان عنه.

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ