الجيش السوداني مؤسسة استعمارية بثوب وطني ( مؤسسة الاستعمار المتجددة)

✍حافظ ابراهيم
منذ أكثر من قرن، لم يتحرر السودان فعلياً من قبضة الاستعمار، لأن أدواته بقيت بيننا. فالجيش الذي وُلد في أحضان المستعمر البريطاني تحت اسم قوة دفاع السودان The Sudan Defence Force – SDF) في العام 1925 م ، لم يكن يوماً جيشاً لحماية الشعب، بل أُنشئ ليحرس حدود الإمبراطورية البريطانية و المشاركة في الحروب التي تخدمها (مثل الحرب العالمية الثانية ) ويقمع أي حركة وطنية تطالب بالحرية .
ظلّ الجيش السوداني يحمل في بنيته التنظيمية والعقائدية ملامح المؤسسة الاستعمارية، التي صُمّمت لحماية السلطة وليس الشعب، ولخدمة المركز لا الهامش. فعلى الرغم من رفعه شعار الوطنية، فإنّ سلوكه السياسي والعسكري عبر العقود يكشف عن امتداد مباشر لمشروع الهيمنة والسيطرة الذي تركه المستعمر خلفه، مجسّدًا في بنية الجيش وتوجهاته.
بعد الاستقلال، تغيّر الاسم ولم تتغير العقيدة. بقيت القيادات العسكرية وفية لنفس النهج الذي وضعه المستعمر: السيطرة على الدولة، كسر إرادة الشعب، ومنع أي مشروع وطني حقيقي من النهوض. فمن انقلاب عبود إلى نميري إلى البشير ثم البرهان، ظل الجيش أداة لإعادة إنتاج الاستبداد وتثبيت حكم العسكر تحت شعارات زائفة عن “الوطن” و“الأمن القومي”.
التحالف مع الإخوان المسلمين… الوجه الأيديولوجي للاستعمار الداخلي
مع صعود الحركة الإسلامية في أواخر القرن العشرين، وجد الجيش في الإخوان المسلمين حليفاً مثالياً لتثبيت سلطته. استخدم العسكر الدين غطاءً للاستبداد، فيما استخدم الإخوان الجيش أداةً للتمكين والسيطرة على الدولة والمجتمع.
هذا التحالف بين السلاح والعقيدة السياسية المغلقة حوّل السودان إلى دولة أمنية قمعية، دُمرت فيها مؤسسات الدولة، وتراجع فيها الاقتصاد، وكثًرت الحركات الاحتجاجية و المطلبية وامتلأت السجون بالأحرار.
خلال ثورة ديسمبر المجيدة، حاول هذا التحالف أن يلتف على إرادة الشعب مرة أخرى. فبينما خرجت الجماهير تطالب بالحرية والسلام والعدالة، كان الجيش وفلول النظام الإسلامي يعملون على إجهاض الثورة من داخلها عبر المؤامرات والانقلابات والاتفاقات الهشة التي أبقت السلطة في يد العسكر.
لقد أصبح الجيش غطاءً سياسياً لبقايا النظام القديم، وأداة لتخريب التحول الديمقراطي وإعادة إنتاج نفوذ الإخوان تحت شعارات جديدة.
الجيش كأداة استعمار داخلي
الاستعمار لم يغادر السودان تماماً، بل أعاد تشكيل نفسه في صورة نظام عسكري إسلامي مسيطر على مفاصل الدولة. فالممارسات التي اتبعها الجيش في قمع الشعوب داخل البلاد، واستغلال الموارد لحساب النخب والمرتزقة، تشبه إلى حد كبير ممارسات المحتل الذي كان يرى في البلاد أرضاً تُدار لا وطناً يُبنى.
خاتمة
الجيش السوداني اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما أن يتحول فعلاً إلى مؤسسة وطنية قومية بعقيدة جديدة خاضعة لإرادة الشعب، أو أن يبقى امتداداً لمنظومة استعمارية بثوب ديني وعسكري.
فالوطن لا يُحمى بعقيدة مستوردة من المستعمر أو الإخوان، ولا بالتحالفات الأجنبية، بل بالولاء الصادق لتراب السودان وشعبه.
إن الثورة السودانية لم ولن تكتمل إلا حين يتحرر الجيش من التبعية، ويتحرر الوطن من هيمنة العسكر والإسلام السياسي معاً.
10 نوفمبر 2025 م
واشنطن
أضف تعليق